والمتاع القليل هو الذي له أمد وبعده لا واقع له أصلاً. قال تعالى «مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ»(آل عمران/197).وقال «مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ»(النحل/117).وعند التدبُّر في الآيتين نشاهد أنَّه تعالى قد ذمَّ هذه الدنيا بوصفها متاع قليلن وبيَّن عاقبة من يغترُّ بها، وفي قبالها الآخرة التِّي قد وصفت بصفة الخير المطلق في كثير من الآيات، فقال «... قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً»(النساء/77).وقال«وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى»(الأعلى/17). وقال تعالى «وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ»(الأنعام/32).
العلاقة بين الأولى والأخرى
لو تأمَّلنا في مفهوم الآخرة، علمنا بأنَّها تقع في قبال الأولى،كما قال تعالى «وَهُوَ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ»(القصص/70).وقال «فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى»النازعات/25). «وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى»(الضحى/4). «فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأُولَى»(النجم/25). «وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى »(الليل/13).فالظاهر أنَّ هناك نشأتين فقط وهما النشأة الأولى والنشأة الأخرى. وأما الدنيا فلا تعدُّ من النشآت بل هي حالة طارئة على البشرية ولئن وردت في بعض الآيات في قبال الآخرة أو القيامة، فباعتبار أنَّ الإنسان يعيش في هذه الدنيا، فالنظر كلّ النظر إليه لا إلى الدنيا، وقد شرحنا هذا الموضوع تفصيلاً في كتابنا دولة المهدي(ع) فراجع[380]..
النشأة والإنشاء
والنشأة هي إحداث الشيء وإيجاده واختراعه. يقول سبحانه «وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى»(النجم/47).وقال تعالى «وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلاَ تَذكَّرُونَ»(الواقعة/62).إنَّ أكثر المفسِّرين فسَّروا النشأة الأولى بالدنيا. قال العلامة (قدس سرُّه) في الميزان المراد بالنشأة الأولى نشأة الدنيا، والعلم بها بخصوصيّاتها يستلزم الإذعان بنشاة أخرى خالدة فيها الجزاء [381]..ثمَّ شرح كيفيَّة التذكُّر من خلال فناء الدنيا وفلسفة بعث الرسل وتشريع الشرائع وتوجيه الأمر والنهي وهداية الناس..أقول إنَّ الدنيا لا يطلق عليها النشأة أصلاً، بل هي -كما قلنا- لا تعدُّ داراً، فالمقصود من النشأة هو ما أشار إليها سبحانه في قوله «... ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ»(المؤمنون/14).فالروح الإنسانية هي النفحة الإلهيَّة التي يعززها سبحانه ويعظِّم خلقها وهي التِّي سوف تعود إلى البدن في النشأة الآخرة، وعليه فالنشأة الأولى ترتبط بعالم الروح وحالاته كما في قوله تعالى «وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ»(المؤمنون/78).والآيات التالية هي التِّي تفصِّل هذا الأمر وتحسم الموضوع، حيث يبدأ سبحانه ببيان الخلق فيقول «الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ*ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ»(السجدة/7 8)..فالمرحلة الأولى هي أنَّه سبحانه خلق الإنسان الأوَّل من طين وجعل نسله من سلالة من ماء مهين، ولكن هناك مرحلة ثانية هي الأساس في الإنسان كإنسان وهي ما بينت في قوله تعالى بعد ذلك، حيث قال «ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ»(السجدة/9)..أنظر إلى هذه الآية وقايسه بالآية السابقة أعني سورة المؤمنون/78 ، فهي تفسِّر المقصود من الجعل في هذه الآية وهو الإنشاء بعين..
التوفي لا الفوت
على ضوء ذلك يمكننا أن نعرف حقيقة البعث والنشور، فالكافرون قد خلطوا بين أمرين فوقعوا في الشبهة والضلال الأمر الأوَّل هو ما بيَّنه سبحانه بقوله بعد ذلك «وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ»(السجدة/10).فهم جهلوا أو تجاهلوا الروح وعطفوا كلَّ توجُّههم إلى الجسم، فتوَّهموا أنَّ ضياع الذرَّات المادية في الأرض، يعني فناء وزوال الإنسان بالمرَّة، والقرآن يرجِّح جانب التجاهل والكفر فلا يقبل قولهم لأنَّه قال«... بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ»(السجدة/10).وهذا يضاهي قوله تعالى في سورة يس «وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ»(يس/78)..ومن الواضح أنَّهم يتصوَّرون أنَّ كلُّ ما في العظام هو من مقولة المادة وعندما تتفتَّت العظام وتصبح رميماً، فلا يبقى لها أثر بعد ذلك.الأمر الثاني وهو حقيقة الإماتة والإحياء، فالموت لا يعني الزوال بل هو التوفي والأخذ الكامل، ولهذا قال تعالى في جوابهم «قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ»(السجدة/11)..فلا زوال ولا انعدام في البين، إنَّما هو انتقال من مرحلة إلى أخرى، بل استمرار لأمرٍ واحد في حالات مختلفة. كما أنَّ هناك استيفاءً ناقصاً يتحقَّق في المنام، حيث يقول سبحانه «وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ»(الأنعام/60)..وقد فصَّل سبحانه في هذا الأمر أكثر حيث قال «اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ»(الزمر/42).والمتأمِّلُ في هذه الآيات وأمثالها، يذعن بحقيقة الموت، فالحقيقة ليست هي إلاّ الأخذ والإرسال أو الذهاب والإياب أو الإبتداء والرجوع، ما شئت فعبِّر .هذا ونفس الجواب يصدق في أمر العظام التي صارت رميماً، فالحياة التِّي أُخذت منها، سوف ترَّد إليها مرَّة ثانية. قال تعالى «قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ»(يس/79).