الباب الثاني: في الاغسال
و هي واجبة و مندوبة، فهنا مطلبان: المطلب الاول في الواجبة منها و هي ستة نذكر في فصول ستة:
الفصل الاول: في غسل الجنابة
و الكلام فيه اما في سبب الجنابة، او احكام الجنب، او غاية غسلها، او
واجباته، او آدابه، او احكامه، ففيه ابحاث:
البحث الاول: في سببها
و هو امران:
الامر الاول: خروج المني
.و لا بد اولا من بيان ان حقيقة المني هل هو الماء المسبوق بالشهوة المقارن للتلذذ
المعقب للفتور؟ بان تكون تلك الاوصاف اجزاء حقيقته او من لوازم ذاته، كما
صرح بعض العامة (1) ، و سمعته من بعض ارباب المعقول قال: ان المني انما يتكون في
الانثيين حال التلذذ لاجله فيدفع، و يشعر به كلام بعض فقهائنا المتاخرين
ايضا (2) ، تمسكا بالوجدان و بالاخبار النافية للغسل مع انتفائها.او هو حقيقة معينة
خارجة عنها تلك الاوصاف غير لازمة لها و ان كانت معروضة لها غالبا؟ كما هو
الظاهر من كلام الاكثر، لما دل على امكان العلم بكون الخارج منيا بدون العلم
بتلك الاوصاف، كالاخبار الواردة فيمن وجد (3) المني في ثوبه و لم ير انه
احتلم، و لما دل على وجوب الغسل بخروج (4) الماء المشتبه بعد الغسل و قبل
الاستبراء مع فقده تلك الاوصاف.او لا يعلم شي ء من الامرين؟ فيتوقف، لضعف
متمسك القولين. اما الاول من الاول: فلان المسلم من الوجدان ان ما جمع الاوصاف مني، دون ان
ما لم يجمعها ليس منيا، و لذا قد يعلم كون الخارج منيا بدون العلم بتلك الاوصاف. و اما الثاني منه: فلانه يمكن ان يكون نفي الغسل في فاقد الاوصاف لاجل عدم
العلم بكونه منيا، لا للعلم بعدمه. و اما الاول من الثاني: فلان طريق العلم بوجود شي ء لا ينحصر في معرفة جميع اجزائه
الحقيقية او لوازمه الذاتية، فقد يعرف وجود المني بامر آخر غير تلك الاوصاف، و لا
يعلم وجود ذلك الامر فيما علم فيه فقد تلك الاوصاف. و اما الثاني منه: فلان الخارج بعد الغسل قبل الاستبراء يمكن ان يكون من بقية ما
اجتمعت فيه الاوصاف الخارج اولا. و الحق، هو الثالث، لما ذكر. الا ان في مرسلة ابن رباط: «فاما المني فهو الذي يسترخي العظام و يفتر منه
الجسد و فيه الغسل » (5) و مقتضى اصالة الحقيقة في الحمل كون ذلك من حقيقته. و المروي في نوادر الراوندي عن النبي صلى الله عليه و آله: «فاما المني فهو
الماء الذي تكون منه الشهوة » (6) . و اذا عرفت ذلك، فنقول: انهم صرحوا بان خروج ما علم انه مني موجب للغسل مطلقا،
سواء كان خروجه في اليقظة او النوم، و كان خارجا من الرجل او المراة، و كان
الخارج مع الشهوة و التلذذ و الفتور او لا، ان فرض العلم به بدون الاوصاف. و هو محل الوفاق بين علماء الاسلام كافة اذا كان خارجا من الرجل مع
الاوصاف، و اخبار الفريقين به متواترة معنى بلا معارض (7) .و بين علمائنا خاصة
كما صرح به جماعة (8) اذا كان خارجا منه بدون الاوصاف كلا او بعضا، و هو الحجة
فيه. مضافا الى اطلاقات وجوب الغسل بالماء الاكبر (9) ، و عموم موثقتي سماعة،
المستفاد من ترك الاستفصال: احداهما: عن الرجل ينام و لم ير في نومه انه احتلم، و يجد في ثوبه و على فخذه
الماء هل عليه غسل؟ قال: «نعم » (10) . و الاخرى: عن الرجل يرى في ثوبه المني بعد ما يصبح و لم يكن راى في منامه انه
احتلم، قال: «فليغتسل و ليغسل ثوبه و يعيد صلاته » (11) . و لا تعارضها صحيحة ابن ابي يعفور: الرجل يرى في المنام و يجد الشهوة فيستيقظ.و
ينظر فلا يجد شيئا ثم يمكث الهوين بعد فيخرج، قال: «ان كان مريضا فليغتسل، و ان لم
يكن مريضا فلا شي ء عليه » قال: قلت: فما فرق بينهما؟ قال: «لان الرجل اذا كان صحيحا جاء الماء بدفقة و قوة، و ان كان مريضا لم يجئ الا
بفتور» (12) . لان الخارج فيها غير معين، فيمكن ان يكون هو الماء المشتبه. و منه يعلم عدم معارضة صحيحة ابن سعد (13) و رواية ابن ابي طلحة، المتقدمة (14) ، حيث ان
تبادر خروج المني من الانزال في عهد المعصوم غير معلوم. و لو تنزلنا عن ذلك فغايتهما العموم فيتعارضان بالعموم من وجه، و الترجيح
مع الاولى بمخالفة العامة، كما صرح به الجماعة، و بموافقة الاصحاب. و منه يعلم الجواب عن رواية ابن الفضيل، الآتية، و صحيحة علي: عن الرجل يلعب مع
المراة و يقبلها فيخرج منه المني فما عليه؟ قال: «اذا جاءت الشهوة و دفع و فتر
لخروجه فعليه الغسل، و ان كان انما هو شي ء لم يجد له فترة و لا شهوة فلا باس » (15) . حيث ان المحتمل فيها رجوع المستتر في «كان » الى الخارج دون المني. مع انه لو ارجح اليه ايضا، لم يضر، اذ تصير الرواية حينئذ مخالفة لعمل جل
الاصحاب بل كلهم، فتخرج عن الحجية. و منه يعلم جواب آخر عن هذه الروايات لو سلمت دلالتها. هذا كله، مع ان لنا ان نقول بدلالة الموثقتين على وجوب الغسل مع العلم بعدم الشهوة
ايضا بخصوصهما، حيث انهما دلتا على وجوبه مع عدم العلم بها، و لو لا وجوبه مع
العلم بالعدم ايضا، لما وجب مع عدم العلم، لاصالة عدم تحقق الشهوة، فتامل. و هو الحق المشهور (16) ، بل المجمع عليه عندنا ايضا-لشذوذ المخالف-اذا كان من
المراة كذلك، لما مر من الاجماع، و للمستفيضة من النصوص: كرواية معاوية بن حكيم: «اذا امنت المراة و الامة من شهوة، جامعها الرجل او لم
يجامعها، في نوم كان ذلك او في يقظة، فان عليها الغسل » (17) . و صحيحة محمد بن اسماعيل: عن المراة ترى في منامها فتنزل، عليها غسل؟ قال: «نعم » (18)
و قريبة منها حسنة اديم بن الحر (19) . و صحيحة الحلبي: عن المراة ترى في المنام ما يرى الرجل، قال: «ان انزلت فعليها
الغسل، و ان لم تنزل فليس عليها الغسل (20) . و صحيحة الاشعري و فيها: «اذا انزلت من شهوة فعليها الغسل » (21) . و رواية محمد بن الفضيل و فيها: «اذا جاءت الشهوة و انزلت الماء وجب عليها
الغسل » (22) . و رواية ابن ابي طلحة و فيها: «ا ليس قد انزلت من شهوة؟ » قلت: بلى، قال: «عليها غسل » (23)
الى غير ذلك. خلافا للمحكي عن المقنع، فنفى عنها الغسل اذا امنت من غير جماع، و لكن كلامه فيه
ينفيه في احتلامها خاصة (24) ، و يميل الى ذلك كلام صاحب الوافي (25) . لروايات دالة على ذلك كصحيحتي عمر بن يزيد، في احداهما: قلت: فان امنت هي و لم
يدخله، قال: «ليس عليها الغسل » (26) . و في الاخرى بعد قول السائل: ففخذت لها فامذيت و امنت هي: «ليس عليك وضوء و لا عليها
الغسل » (27) و صحيحة ابن اذينة: المراة تحتلم في المنام فتهريق الماء الاعظم، قال:
«ليس عليها الغسل » (28) . و رواية عبيد بن زرارة: هل على المراة غسل من جنابتها اذا لم ياتها الرجل؟ قال: «لا» (29) و غير ذلك. و يضعف: بانها لمخالفتها لعمل قدماء الاصحاب شاذة، و عن الحجية خارجة، فلا تصلح
للاستناد، فكيف للمعارضة.و مع ذلك فاحتمال ان يراد بالامناء انفصاله عن مستقره
و ان لم يخرج من الفرج، بل انصب الى الرحم-كما هو الغالب في النساء-في اكثرها
ممكن. هذا كله في صورة العلم بكون الخارج منيا.و اما لو اشتبه فيعتبر في الرجل
الصحيح بالدفق و مقارنة الشهوة، اي التلذذ، و فتور البدن بعده، فيجب الغسل
فيما اشتمل عليها جميعا، و لا يجب فيما فقد فيه بعضها.و في المريض و المراة
بالثانيتين (30) خاصة. لا لكون الثلاثة صفات لازمة غالبا في الاول (31) ، و الثاني في الثانيين (32) ، كما
قيل (33) ، لان المستفاد منها ليس الا الظن، اذ المفروض عدم حصول العلم بكونه منيا، و
الا فيخرج عن المقام، و الظن غير معتبر، اذ لا ينقض يقين الطهارة الا بمثله. بل في الحكم الاول (34) للاول (35) ، لمنطوق الجزء الاول من صحيحة علي، المتقدمة (36) ، و في
للاصل، مضافا الى منطوق جزئها الثاني في بعض افراده (38) مع مفهوم
الاول فيه ايضا، و اما مفهومه في غيره و مفهوم الجزء الثاني فلتعارضهما و
عدم المرجح لا اعتبار بهما، فالمرجع في موردهما هو الاصل. ثم هذه الصحيحة و ان شملت بظاهرها الثاني، اي المريض ايضا، الا انه اخرج منها،
لعدم اعتبار الدفق في المريض بالمعتبرة، فهي مخصصة لها بالصحيح، اذ اشتراط
الحكم بكونه منيا بالدفق كما هو صريحها مخصوص به، و بقي المريض كالمراة تحت
الاصل.الا انه اخرج عن الاصل مع الخروج بالشهوة، و وجب عليه الغسل، لصحيحة ابن
ابي يعفور، المتقدمة (39) . و حسنة زرارة: «اذا كنت مريضا فاصابتك شهوة فانه ربما كان هو الدافق لكنه
يجي ء مجيئا ضعيفا ليست له قوة لمكان مرضك ساعة بعد ساعة قليلا قليلا، فاغتسل منه » (40) . و صحيحة ابن عمار: عن رجل احتلم فلما انتبه وجد بللا قليلا، قال: «ليس بشي ء الا ان يكون مريضا فانه يضعف فعليه الغسل » (41) . و لا يتوهم عموم الاخيرة للخالي عن الشهوة ايضا، لان معنى قوله: «احتلم » انه راى ذلك في المنام قطعا. و يمكن ان يكون المراد منه ما معه الشهوة، بل هو الظاهر، كما صرح به والدي-رحمة
الله عليه-في اللوامع. و الشهوة المتحققة حينئذ و ان كانت في النوم الا انها كافية، كما هو صريح صحيحة
ابن ابي يعفور.و ذلك بخلاف الدفع و الفترة المعتبرين في الصحيح، للاصل، و
اختصاص دليله باليقظة. و اخرجت المراة عن الاصل المذكور مع الشهوة في النوم او اليقظة، و وجب عليها
الغسل، لصحيحة ابن سعد، المتقدمة (42) و ما يتعقبها من الروايتين بالتقريب
المتقدم من حملهما على المشتبه، او على العموم و لو من جهة ترك الاستفصال. ثم مقتضى اطلاق الاخبار فيهما و ان كان كفاية الثاني (43) خاصة، الا انها يقيد
اطلاقها بمرسلة ابن رباط، المتقدمة (44) ، فانها تعارض اطلاقات اعتبار الشهوة
بالعموم من وجه، و الاصل مع عدم كفايته و اعتبار الفترة ايضا فيهما، كما
صرح به في المريض في المعتبر و المنتهى (45) ، و يظهر اعتبارها في المراة عن
بعضهم. و اما اعتبار الدفق مع الشهوة، كما احتمله في نهاية الاحكام (46) ، او اعتبار
الثلاثة فيها، كظاهر النافع (47) ضعيف.كالقول بكفاية الدفق في الرجل الصحيح، كما هو
المحكي (48) عن ظاهر نهاية الاحكام و الوسيلة و المبسوط و الاقتصاد و المصباح و
مختصره، و الجملين و المقنعة و التبيان و المراسم و الكافي و مجمع البيان و
الاصباح و الروض و احكام الراوندي. و لعله لاطلاق الآية (49) بتوصيف الماء بالدافق. و ضعفه ظاهر، اذ توصيف بعض افراد المني-و هو ما يتكون منه الانسان- بالدافق لا
يستلزم اتصاف جميعها به. و في اعتبار رائحة الطلع، او العجين رطبا و بياض البيض جافا، كالتذكرة (50) ،
و الشهيدين (51) ، و الكركي (52) نافيا عنه الخلاف.او عدمه، كالاكثر، كما في اللوامع،
قولان، اقواهما: الاخير، للاصل.
فروع:
ا: الخارج من غير الطبيعي لا يوجب الغسل مطلقا، للصحاح الثلاثة لابي الفضل و
زرارة، المتقدمة في الاحداث الموجبة للوضوء (53) ، و المصرح به في احداها: انه عليه السلام ليس في بيان ما ينقض الوضوء خاصة حيث ذكر المني ايضا. و بها يقيد اطلاق وجوب الغسل بخروج المني، مضافا الى انصرافه الى الشائع. فالقول بالوجوب معه مطلقا، او مع انسداد الطبيعي، او مع الاعتياد، او كون
المخرج من الصلب، او الاحليل او البيضتين، ضعيف. و دعوى ظاهر الوفاق عليه في الثاني-كما في المعتمد-غير مقبولة. و يلزم مما ذكرنا: اعتبار خروجه في الخنثى المشكل من الفرجين و لو مع اعتياد
احدهما. ب: الخارج من فرج المراة ان علم كونه من الرجل، لم يوجب عليها الغسل، للاجماع،
و خبر البصري: في المراة تغتسل من الجنابة ثم ترى نطفة الرجل بعد ذلك، هل يوجب
عليها غسل؟ فقال: «لا» (54) . و كذا ان شك في كونه منه او منها، بل و لو ظن انه منها، للاصل، و صحيحة منصور (55) ، و
خبر ابن خالد: عن رجل اجنب فاغتسل قبل ان يبول فيخرج منه شي ء قال: «يعيد الغسل » قلت:
فالمراة يخرج منها شي ء بعد الغسل، قال: «لا تعيد» قلت: فما فرق بينهما؟ قال: «لان ما
يخرج من المراة هو ماء الرجل » (56) اي يحتمل ان يكون منه، و يجب البناء عليه. خلافا لظاهر الحلي حيث اطلق اعادتها الغسل اذا رات بللا علمت انه مني (57) ، و
الظاهر غير ما اذا علم انه من الرجل.و لنهاية الاحكام حيث الحق الظن بانه
منها بالعلم به (58) .و لا وجه لهما. ج: لا يلزم في المني كونه ابيض، بل قد يكون بلون الدم لكثرة الوقاع، فهو موجب للغسل
اذا قطع بكونه منيا، او اجتمعت فيه الاوصاف. و احتمال العدم-كنهاية الاحكام-ضعيف، و تعليله عليل. د: رائي الاحتلام ان لم يجد البلل لا غسل عليه مطلقا، للاصل، و الاجماع، و حسنة ابن
ابي العلاء (59) . و اما رواية محمد: رجل راى في منامه فوجد اللذة و الشهوة، ثم قام فلم ير في ثوبه
شيئا، قال: فقال: «ان كان مريضا فعليه الغسل، و ان كان صحيحا فلا شي ء عليه » (60)
فلمخالفتها للاجماع مطروحة او مؤولة. و ان وجدها فمع تيقن كونها منيا يغتسل، و مع الاشتباه يرجع الى الاوصاف. ه: لو امسك المني المنتقل عن موضعه عن الخروج، لا يجب عليه الغسل ما لم يخرج.فان
خرج، وجب ان علم انه المني المنتقل او غير المنتقل و ان لم تكن معه الاوصاف، و لا
يجب ان شك الا مع الوصف.و كذا لا يجب الغسل على المراة باحساسها انفصال
المني عن موضعه بالتلذذ و الفتور ما لم يعلم بخروجه. و: لو وجد المكلف منيا في جسده او ثوبه، يجب عليه الغسل اذا علم انه منه
من وجوبه بخروجه، و لموثقتي سماعة، المتقدمتين (62) . و مقتضى اطلاقهما و ان كان وجوبه على واجده في جسده او ثوبه و ان احتمل كونه من
غيره، لكن تقيدان بما مر، لرواية ابي بصير: عن الرجل يصيب بثوبه منيا و لم يعلم
انه احتلم، قال: «ليغسل ما وجد بثوبه و ليتوضا» (63) .فانها خاصة بما اذا لم يعلم
انه منيه بالاجماع، فتكون اخص منهما فتخصصان بها. و لو قطع النظر عن خصوصيتها تتعارضان بالتساوي و يرجع الى الاصل، و مقتضاه ما
ذكرناه ايضا. و جعلهما اخص منها، باعتبار تقييدهما بكون الوجدان بعد الانتباه من النوم و
اطلاقها من هذه الجهة، و لازمه تقييدها بذلك، باطل، اذ لم تقيد الموثقتان الا
بالوجدان بعد الانتباه مطلقا، سواء كان مع فاصلة مدة او لا، و الوجدان في الرواية
ايضا يكون بعد نوم لا محالة، بل في قوله: «و لم يعلم انه احتلم » دلالة على ذلك، و الا
علم انه لم يحتلم فتتساويان. و لو سلم تقييدهما بذلك دونها، فتتعارضان بالعموم من وجه، لما ذكرنا من
اختصاصها بغير العالم، فيرجع الى الاصل ايضا. و حمل قوله: «و ليتوضا» فيها على الغسل خلاف الاصل. و اثباته بعدم وجوب الوضوء قطعا، مردود: بانه ان اريد عدم وجوبه مطلقا فممنوع،
لجواز كونه محدثا بنوم او غيره، فيكون المعنى: و ليتوضا ان كان محدثا بالحدث
الاصغر. و ان اريد عدم القطع بوجوبه، فالغسل ايضا كذلك، لجواز ان يكون قد اغتسل
للجنابة بعد الانتباه بالمباشرة او للجمعه او غيره على التداخل، فلا بد من
التقييد بقوله: ان لم يكن اغتسل ايضا. و من هذا يظهر ضعف القول بوجوب الغسل بالوجدان في الثوب المختص، في صورة كونه
بعد الانتباه مطلقا، كبعض المتاخرين (64) ، او قبل القيام من موضعه، كالنهاية (65) . و دعوى القطع بكونه منه حينئذ بشهادة الحال مطلقا (66) ممنوعة، و في الجملة بهذه
الصورة غير مخصوصة. كما يظهر ضعف القول بوجوبه بوجدانه في المختص مطلقا، كما هو ظاهر جماعة منهم:
الشيخ (67) ، و الحلي (68) ، و الفاضلان (69) ، و الشهيد (70) ، و غيرهم (71) ، و في التذكرة الاجماع
عليه. و تخصيص الرواية بالثوب المشترك لا دليل عليه، و الاجماع المدعى في التذكرة غير
مسموع، مع ان منهم من فسر المختص بما لم يحتمل ان يكون ما فيه من غيره، فيمكن
ان يكون ذلك مرادهم، فيرجع الى ما ذكرناه (72) ، و لا يكون فرق بين المختص بالمعنى
المفهوم منه و المشترك. ثم المراد من العلم بكون المني منه اعم من العلم الحاصل بالدليل الشرعي.و يلزمه
انه لو احتمل كون المني سابقا على غسل رافع معين زمانه يجب الغسل ايضا، لاصالة
تاخر الحادث.و اما اصالة الطهارة و عدم وجوب الغسل فلا تعارضان اصل التاخر،
لكونه مزيلا لهما دون العكس، كما بينا تحقيقه في الاصول. نعم، لو لم يعلم زمان الغسل و احتمل تاخره عن آخر زمان احتمال اصابة المني،
يتعارض اصل تاخره مع ما مر، فيتساقطان و يرجع الى الاصلين (73) . و كذا يلزمه وجوب الغسل على ذي النوبة لو كان الثوب مما يتناوبه شريكان اذا
اصابه و لم يحتمل وصوله في نوبته من غيره، و ان احتمل سبقه على النوبة، وفاقا
للكركي (74) ، و الدروس، و الروض، و المسالك (75) ، للاصل المذكور.و خلافا لظاهر جماعة و
صريح اخرى (76) ، لمعارضة الاصلين المتقدمين، المندفعين بالاصل المذكور، لما مر. و يحكم بجنابة من ذكرنا وجوب الغسل عليه من الوجدان في ثوبه و ذي النوبة، من
آخر اوقات امكانه، على الاشهر الاظهر، للاصل و الاستصحاب. فيعيد ما له اعادة من المشروطات بالطهارة ما تاخر عنه الى زمان الوجدان،
او تحقق طهارة رافعة. و في المبسوط حكم بوجوب قضاء كل صلاة صلاها بعد آخر غسل رافع (77) . هذا بالنسبة الى الحدث.و اما الخبث فيبنى على مسالة الجاهل به من اعادته
مطلقا، او في الوقت، او عدمها مطلقا. و في المبسوط حكم باستحباب اعادة كل صلاة صلاها من اول نومة نامها في ذلك
الثوب، و وجوبها من آخر نومة نامها فيه، ثم قوى عدم وجوب اعادة شي ء مما خرج
وقته (78) . و نسب في المدارك الى المبسوط: الرجوع عن حكم الحدث الى القول المشهور (79) .و هو
منه غفلة. ز: لو وجد المني في ثوب بين شخصين مجتمعين فيه في زمان واحد، كفراش او لحاف، و
لم يعلم خروجه من واحد معين منهما، لا يجب الغسل على احد منهما، و يجوز لهما ان
يفعلا ما يفعله الطاهر، وفاقا فيما لا تتوقف صحته من احدهما عليها من الآخر
توقف ابتناء او معية، للاصل، كالصلاة و دخولهما المسجد و قراءة العزائم. و على الاصح فيما له احد التوقفين، كائتمام احدهما بالآخر، و صيرورتهما عدد
الجمعة، و كذا في ائتمام واحد بهما في صلاتين او صلاة، و حمل احدهما الآخر الى
المسجد، وفاقا للتذكرة و المنتهى و التحرير و نهاية الاحكام و المدارك (80) و
اللوامع و المعتمد، بل معظم الثالثة، كما في الاخيرين، للاصل، و عدم مانع سوى
العلم بخروج المني من واحد منهما غير معين، و هو غير صالح للمنع، اذ لم يترتب
بالاخبار حكم عليه سوى وجوب الغسل المنتفي هنا اجماعا، و لا بالاجماع حكم يفيد
في محل النزاع. فان قلت: الجنابة و المحدثية امران مترتبان على خروج المني و قد تعلق بهما
احكام كثيرة، و لازمه ثبوتها للجنب و المحدث مطلقا، معينا كان او غير معين. قلنا: لا نعلم من الجنابة و المحدثية الا حالة شرعية حاصلة بعد خروج المني، و المراد
بالحالة الشرعية الوصف الجعلي من الشارع، و هو كونه بحيث تتعلق به امور شرعية، و
بعد منع تعلقها بغير المعين لا نسلم كونه جنبا و محدثا. سلمنا ان الجنابة و المحدثية امران واقعيان مترتبان على خروج المني مطلقا، يعني
انهما حالتان غير كون الشخص مورد الاحكام الشرعية، و لازمه كون واحد معين منهما
واقعا غير معين عندنا جنبا و محدثا، و لكنه لا يضر الا فيما علم فيه وجود الواحد لا
بعينه من الفردين، و كونه منشا للاثر الشرعي من المانعية او السببية او غيرهما،
كما فيما اذا اشتبه ماء طاهر مع نجس، فكل منهما بخصوصه و ان لم يكن نجسا، و
لكن واحد غير معين منهما نجس، فاذا وقعا معا على ماء قليل فبوقوعهما معا فيه يعلم
وقوع الواحد لا بعينه الذي هو معلوم النجاسة فيه، لعدم خروجه عنهما، و لاجله ينجس
الماء القليل، لصدق وقوع النجس و هو واحد غير معين منهما فيه و ان لم ينجس لخصوصية كل
منهما. و توضيحه: ان ها هنا ثلاثة امور: هذا بخصوصه، و هذا بخصوصه، و واحد لا بعينه منهما، و
حال كل منهما بخصوصه واقعا غير معلوم، و ظاهرا هو ما يوافق الاصل.و اما الواحد
لا بعينه فخارج عن الاصل واقعا يقينا، و ظاهرا، ففي المثال يقال: انه نجس واقعا
فكذا ظاهرا، لتبعية الظاهر للواقع بعد معلوميته. فكل مورد لم يعلم تحقق الواحد لا بعينه لا يتحقق الحكم المخالف للاصل، كما اذا وقع
احد الماءين في قليل. و كذا اذا علم تحققه و لكن من غير اجتماع في مورد واحد، كما اذا وقع احدهما في
قليل و آخر في آخر، او علم تحققه في مورد واحد و لم يكن مؤثرا، و ذلك كما في اجتماع
الشريكين المذكورين في صلاة الجمعة، فانه قد تحقق فيها هذا بخصوصه الذي ليس جنبا
ظاهرا، و هذا بخصوصه الذي ايضا كذلك، و الواحد الغير المعين الذي هو جنب، و لكن
بانضمام الخصوصيين اللذين ليسا بجنبين قد تم عدد الجمعة فانعقدت، غاية الامر
تحقق الواحد الغير المعين ايضا، و وجوده بعد تمام عدد الجمعة بغير الجنب
الشرعي، و هو هذا بخصوصه و هذا بخصوصه، و الثالثة الاخرى لا تؤثر في شي ء. و كذا في سائر امثلة المقام، فان صلاة هذا بخصوصه، الصحيحة مرتبطة من جهة
الائتمام بصلاة هذا بخصوصه، الصحيحة ايضا، فتكون صحيحة، غاية الامر كون الواحد
غير معين منهما جنبا، و هو غير مؤثر في ابطال الخصوصيات، و ليس امر آخر يؤثر
وجوده فيه. و ذلك بخلاف الماءين الواقعين في قليل، فانه و ان لم ينجس بوقوع هذا بخصوصه و
ذلك بخصوصه، و لكن بوقوعهما وقع واحد لا بعينه الذي هو نجس فيه ايضا، فيصدق لاجله
وقوع النجس (81) فيه، فينجس لذلك لا للخصوصيات. و الحاصل: انه اذا تحقق الواحد لا بعينه في مورد بتحققهما فيه، و ثبتت مانعيته
لامر لازم في المورد، او سببيته لامر مضر فيه، يكون تحققه مضرا، كما في مثال
الماء، لا في غيره كما في مثال ما نحن فيه. فان قلت: كما ان باجتماع الشخصين يتحقق الواحد لا بعينه الذي هو جنب، فكذا تتحقق
باجتماع الصلاتين صلاة لا بعينها باطلة، فتكون احداهما لا بعينها باطلة. قلنا: ان بعد صحة كل منهما بخصوصها لا يضر وجود الغير المعينة الباطلة، مع انا نمنع
تحققها هنا، لانه انما هو في الامور الغير المتوقفة على جعل الشارع، او ما ثبت
فيه جعله على الاطلاق، و اما البطلان فليس هو الا مخالفة المامور به، فتحققه فرع
تحقق الامر، و ليس هنا امر الا بكل بخصوصه، و صلاته صحيحة، و ليس هنا امر آخر، فلم
تتحقق صلاة باطلة، و من ذلك يعلم وجه آخر لما اخترناه في المورد. خلافا للمحققين (82) ، و الشهيدين (83) ، للقطع بجنابة احدهما.و جوابه ظهر مما مر. و الظاهر-كما في المبسوط و المعتبر (84) و الاصباح و المنتهى و التذكرة و
الدروس و النفلية (85) -استحباب الغسل لكل من الشريكين، لفتوى هؤلاء الاجلة، و
الاحتياط، منضما الى ما في السنن من التسامح في الادلة.
الامر الثاني: ادخال الذكر في القبل
و ايجابه للغسل مجمع عليه، و النصوص مصرحة به، كصحيحتي محمد و ابن سرحان: الاولى: متى يجب الغسل على الرجل و المراة؟ فقال: «اذا ادخله فقد وجب الغسل و
المهر و الرجم » (86) . و في الثانية: «اذا اولجه فقد وجب الغسل و الجلد و الرجم و وجب المهر كلا» (87) . و لا يتوقف الوجوب على ادخال الجميع، بل يكفي التقاء الختانين بالاجماع و
المستفيضة، كصحيحة البختري: «اذا التقى الختانان وجب المهر و العدة و الغسل » (88) .
و صحيحة علي بن يقطين: عن الرجل يصيب الجارية البكر لا يفضي اليها و لم ينزل، ا
عليها غسل؟ و ان كانت ليس ببكر ثم اصابها و لم يفض اليها ا عليها غسل؟ قال:
«اذا وقع الختان على الختان قد وجب الغسل » (89) و قريبة منها صحيحة الحلبي (90) . و في صحيحة زرارة، الواردة في قضية الاصحاب: «ا توجبون عليه الجلد و الرجم و لا
توجبون عليه صاعا من ماء؟ اذا التقى الختانان فقد وجب الغسل » (91) . و يعلم التقاء الختانين بغيبوبة الحشفة اجماعا، لصحيحة محمد بن اسماعيل: فيمن
يجامع المراة قريبا من الفرج فلا ينزلان، متى يجب الغسل؟ قال: «اذا التقى الختانان فقد وجب الغسل » فقلت: التقاء الختانين هو غيبوبة الحشفة؟ قال: «نعم » (92) . و لا ينافيه ما في صحيحة ابن يقطين، المتقدمة، لجواز ان يكون قوله: «اذا وقع...»
بيانا لمطلق الحكم، فيلزمه عدم الغسل في المسؤول عنه.مع ان غيبوبة الحشفة لا
تستلزم الافضاء. و لا ما في السرائر عن النوادر: «يجب عليهما الغسل حين يدخله، و اذا التقى
الختانان فيغسلان فرجهما» (93) ، لجواز عطف قوله: «و اذا التقى » على قوله: «حين يدخله » .و لو سلم التنافي، فتخرج عن الحجية بالشذوذ و مخالفة الاجماع. و بمفهوم تلك الاخبار يقيد اطلاق الاوليين المقتضي لوجوب الغسل بدخول الاقل
من ذلك، حيث ان صدق دخول الشي ء لا يتوقف على دخول جميعه، بل يصدق على دخول جزء منه
ايضا، كما في قولك: ادخلت اصبعي في الجحر. و كون الذكر-الذي هو مرجع الضمير-اسما للمجموع غير ضائر، اذ لا يلزم اتحاد
المعنى التركيبي مع الافرادي. فلا يجب الغسل بدخول الاقل من ذلك و لو من مقطوع الحشفة او المخلوق بلا حشفة، لصدق
عدم التقاء الختانين و عدم غيبوبة الحشفة. خلافا لما احتمل بعضهم (94) من الاكتفاء فيهما بالمسمى، عملا بالاطلاق. و هو حسن لو لا المفاهيم المقيدة له، مع ان المطلق ينصرف الى الغالب، و لكنهما
يمنعان عن العمل به.بل مقتضاهما: عدم وجوب الغسل عليهما بالادخال مطلقا، الا ان
ظاهر الاصحاب الحاق قدر الحشفة منهما بها.فلو ثبت عليه الاجماع، و الا فالحكم
به مشكل جدا. و الحق-في المشهور-بالقبل، الدبر مطلقا، من الانثى كان او الذكر، بل نقل عليه
السيد بل الحلي (95) ظاهرا اجماع المسلمين، بل ادعى الاول عليه الضرورة من الدين،
مع فحوى صحيحة زرارة، المتقدمة (96) ، و مطلقات وجوبه بالادخال، و بالتقاء
الختانين المفسر في الصحيحة (97) : بغيبوبة الحشفة، المتحققة ها هنا، و المروي عن
امير المؤمنين عليه السلام: «ما اوجب الحد اوجب الغسل » (98) . مضافا في الاول، الى ايجابه في قوله سبحانه: «او لامستم النساء» (99) بمطلق
الملامسة الشاملة للمطلوب بنفسها و المفسرة في صحيحة ابي مريم، و فيها: «و ما يعني بهذا-او لامستم النساء-الا المواقعة في الفرج » (100) : بالمواقعة في الفرج
الشامل للدبر لغة و عرفا، او المحتمل شموله له الكافي في المقام، لعدم تقيد
الملامسة المطلقة الا بما علمت تقييدها به.و في اخبار اخر: بالادخال او
المباشرة (101) الشاملين له ايضا. و الى مرسلة حفص: عن رجل ياتي اهله من خلفها، قال: «هو احد الماتيين، فيه الغسل » (102) .
و في الثاني، الى الاجماع المركب المحقق، و المحكي عن السيد (103) ، و حسنة الحضرمي:
«من جامع غلاما جاء جنبا يوم القيامة لا ينقيه ماء الدنيا» (104) . و يضعف الاول من ادلتهما (105) : بعدم الحجية. و الثاني (106) : بعدم الدلالة، لانه عليه السلام، لم يرتب وجوب الغسل على وجوب
الحد حتى يتم، بل ايجابهم الغسل على ايجابهم الحد، فدل كلامه عليه السلام،
بالتنبيه على ان ايجابهم الحد علة لايجابهم الغسل، و هو كذلك: لانهم ارباب
القياس، و كانوا به يعملون، و عليه يعتمدون، فيلزمهم ايجابهم الغسل بعد ايجابهم
الحد، و لا دلالة له على علية مطلق وجوبه لوجوبه، و بذلك يندفع ما استشكل على الرواية
من تمسكه عليه السلام بالقياس. و الثالث (107) -مع عدم جريانه في الثاني، للحكم بوجوب المهر و الرجم ايضا في
اخبار مطلق الادخال-: بان جعل الادخال فيه بالنسبة الى المدخول فيه مطلقا
باقيا على حقيقته اللغوية يوجب خروج الاكثر بالتقييد، بل عدم بقاء غير
الماتيين من افراده الغير المحصورة، و مثله غير جائز قطعا، فلا محيص عن جعله
مجازا عن ادخال خاص، و دخول الادخال في الدبر في معناه المجازي المراد غير
معلوم جدا، سيما مع انصراف المطلق الى الشائع، و الوط ء في الدبر، الخالي عن
الانزال من الافراد النادرة. و القول (108) بارادة الغيبوبة في الدبر خاصة منها في الصحيحة (109) بقرينة صدرها، حيث
انه ليس قريب الفرج ما يصلح لها الا الدبر، مردود: بانه لا دلالة فيها على تحقق
الالتقاء في المجامعة قريب الفرج، بل حكم عليه السلام بان الغسل في الالتقاء،
ليعلم السائل انه لا غسل فيما سئل عنه.مع انه صحة هذا القول انما هي على اختصاص
اطلاق الفرج بالقبل، مع ان هذا القائل يعممه ليتمم بعض ادلته الاخر. هذا كله، مع انه على فرض تسليم الاطلاق يقيد البتة باخبار التقاء الختانين
الغير المتحقق هنا، لانحصاره حقيقة بالوط ء في القبل. و حمل مطلق غيبوبة الحشفة عليه و تفسيره بها لا يثبت التعميم، اذ ارتكاب
التجوز في الموضوع و المفسر ليس باولى من ارتكاب التجوز او التخصيص في
المحمول و المفسر. و عدم تحقق الالتقاء الحقيقي في القبل ايضا-لتغاير مدخل الذكر مع موضع الختان-غير
ثابت.و لو سلم، فلا يمنع من صدق الالتقاء العرفي حقيقة. مع ان ادراج الغيبوبة المفسرة له في المطلقات يوجب خروج الاكثر ايضا. و منه يعلم وجه ضعف الرابع (110) . و الخامس (111) : بعدم ثبوت الرواية و عدم نقلها في شي ء من الكتب، و لعله هو نقل فحوى
قوله في صحيحة زرارة، فتوهم انه رواية.مع انه لو صح، لم يجز جعله من باب العموم،
لما مر من ايجابه خروج الاكثر، و لو جعل منه ايضا، لوجب تقييده بما مر من
اخبار الالتقاء. و الاول من دليلي الاول (112) : بان ملامسة النساء و ان كان مطلقا و كذا الجماع و
المباشرة اللذين فسرت بهما، و لكن تفسيرها في الصحيحة: بمواقعة الفرج تخصيصها
مع تفسيريها، فالمراد بملامسة النساء هو مواقعة الفرج.و الفرج و ان كان بحسب
اللغة شاملا للدبر، الا انه غير ممكن الارادة هنا، لاستلزامه خروج الاكثر. فالمراد به اما معناه المجازي، فيمكن ان يكون هو القبل خاصة، او العرفي. و صدقه على غيره ايضا غير معلوم، بل صرح بعض اللغويين بانه في العرف يطلق على
القبل في الاكثر (113) . و جعل الملامسة من قبيل المطلق حتى يدخل فيه ما لم يعلم خروجه يوجب ايضا خروج
الاكثر.فصدق شي ء من تلك المعاني على ما يشمل المورد غير معلوم، مع ان المطلق
ايضا ينصرف الى الشائع. و الثاني منهما: بعدم دلالته على الوجوب بوجه من الوجوه. و الاول من دليلي الثاني (114) : بعدم ثبوته في القبل اولا، و عدم ثبوت المحقق من
المركب، و عدم حجية المنقول ثانيا. و الثاني منهما (115) : بعدم دلالة كونه جنبا يوم القيامة على جنابته في الدنيا،
فمن المحتمل ان يكون ذلك العمل موجبا للجنابة الاخروية التي هي حالة غير
الجنابة الدنيوية قطعا. و اما عدم نقائه بماء الدنيا فلا يدل على جنابته فيها، اذ من الجائز ان يكون
المراد انه تحصل له بهذا العمل خباثة باطنية موجبة للجنابة الاخروية غير مرتفعة
بماء الدنيا.او يكون المراد بماء الدنيا جميع المياه الدنيوية، و يكون المعنى: جاء
يوم القيامة جنبا و كان بحيث لو غسل يوم القيامة بجميع ماء الدنيا لم يحصل له
النقاء. خلافا في الاول لطائفة من الطبقة الثالثة، كالكفاية و المفاتيح و المدارك و
البحار (116) ، و الفاضل الهندي (117) و المحقق الخوانساري (118) ، و الحدائق (119) ، فترددوا في
وجوب الغسل و عدمه، و ان كان الاخير الى الاخير كالاولين الى الاول اميل، و
هو (120) محكي (121) عن المبسوط مطلقا كبعضهم (122) ، او عن موضع منه كآخر (123) ، لمعارضة ما
تمت دلالته على الوجوب عندهم بما مر مع ما ياتي. و للشيخ في الاستبصار و النهاية (124) ، و الديلمي (125) ، و بعض متقدمي اصحابنا -نقله عنه
الشيخ في الحائريات (126) -و حكاه السيد (127) عن بعض الشيعة، و نسبه في الحدائق (128) الى
ظاهر الكليني و الصدوق، فنفوا وجوب الغسل فيه صريحا. و هو الاقوى، للاصل المنضم مع ما عرفت من ضعف ادلة الوجوب. مع انه لو سلمت دلالتها كلا او بعضا فهي اعم مطلقا من مرفوعة البرقي: «اذا اتى الرجل المراة في دبرها فلم ينزل فلا غسل عليهما، و ان انزل فعليه
الغسل و لا غسل عليها» (129) . و الخاص مقدم على العام سيما مع موافقة العام للعامة-كما صرح به في الاستبصار (130)
و يدل عليه كلام السيد-و تايده (131) بصحيحة الحلبي: عن الرجل يصيب المراة فيما دون
الفرج ا عليها غسل ان انزل هو و لم تنزل هي؟ قال: «ليس عليها غسل، و ان لم ينزل هو فليس
عليه غسل » (132) ، فان الظاهر من الفرج هو القبل، فيعم ما دونه الدبر ايضا، بل يشعر به
لفظ «الاصابة » ايضا، و بما ياتي من الاخبار النافية للغسل عن المراة (133) . و عزل هذا الخاص عن مقاومة العام لشذوذه، حيث انه لا يعلم العامل به الا الديلمي، و
الشيخ المفتي بخلافه في باقي كتبه، و اما الصدوق و الكليني، فهما لم يصرحا بعدم
الوجوب و ان اوردا حديثه، و هو لا يدل عليه و ان صرحا بعدم ايرادهما الا ما
يفتيان بصحته، مردود: بان الشذوذ لا يحصل بعدم العلم بالعامل، بل بالعلم بعدم
العامل، فعدم العلم بمخالفة الصدوق و الكليني كاف في المقام، سيما مع ان الظاهر
موافقتهما لما مر، مع ان العامل غير منحصر بهم، لنقل الشيخ و السيد عن بعض
الاصحاب ايضا. و جعل الخبر الموافق لعمل ثلاثة بل خمسة من القدماء-مع احتمال عمل بعض آخر لم نعلمه،
و عدم مخالفة طائفة جمة من المتاخرين له-شاذا، عجيب غايته. هذا، مضافا الى ان ادلة الوجوب لو تمت، لتعارضت مع مفهوم اخبار الالتقاء
المتلقاة بالقبول عند الجميع بالعموم من وجه، فلو لا ترجيح المفهوم بمخالفة
العامة، لوجب الرجوع الى الاصل. و دعوى شمول اخبار الالتقاء للمورد ضعيف كما مر (134) . و خلافا لمن سبق بصنفيه (135) في الثاني (136) ، مضافا الى المحقق في النافع و
، و المعتبر (138) و الاردبيلي (139) فنفيا الوجوب صريحا. و هو الحق، لما مر من الاصل، مضافا الى مفهوم اخبار الالتقاء المعارض مع ما
مر-لو دل-بالعموم من وجه، الموجب للرجوع الى الاصل ايضا. مع ان بعد انتفاء الوجوب في الاول بالخبر الخاص يثبت هنا ايضا بالاجماع
المركب الذي ادعوه، بل لعل ثبوته هنا اشد و اظهر. و قد ظهر مما مر عدم وجوب الغسل بوط ء البهيمة بدون الانزال ادخالا و استدخالا،
كما هو الاشهر على ما صرح به جمع ممن تاخر (140) .خلافا لجماعة (141) ، بل نسبه في
اللوامع الى الشهرة، فاوجبوا الغسل لبعض ما مر مع جوابه.
فروع:
ا: المفعول به ان كان امراة موطوءة في قبلها يجب عليها الغسل و ان لم ينزل
اجماعا، بل ضرورة، و هو الحجة فيه، مضافا الى صحيحة محمد، المتقدمة (142) . و لا يجب ان كان غيرها سواء كان امراة موطوءة في دبرها او غلاما كذلك و ان
انزل الفاعل، للاصل الخالي عن معارضة اكثر ما تقدم-لو قلنا بمعارضة له في
الفاعل-لاختصاص طائفة منه بالفاعل و اجمال طائفة اخرى، و هي ما تضمن قوله: «وجب
الغسل » . مضافا في المراة الى مرفوعة بعض الكوفيين: في الرجل ياتي المراة في دبرها و
هي صائمة قال: «لا ينقض صومها و ليس عليها غسل » (143) . و مرسلة ابن الحكم: «اذا اتى الرجل المراة في الدبر و هي صائمة لم ينقض صومها و
ليس عليها غسل » (144) . و منه يظهر عدم وجوب الغسل على المراة لو قلنا بوجوبه على الفاعل ايضا، و لذا
فرق بينهما بعض المتاخرين، فلم يوجب الغسل عليها مع ميله الى وجوبه عليه (145) ، و
الفاضل في المنتهى و القواعد، فتردد فيها مع قوله بوجوبه عليه (146) . ب: وط ء الميت كالحي او استدخال آلته يوجب الغسل على الحي، على المعروف منهم،
للاستصحاب و ظواهر الالتقاء. و القول بتغير الموضوع، فلا يجري الاستصحاب، ضعيف، لعدم تغيره اصلا، فان مس
ختان فلانة او المواقعة في فرج فلانة كانت موجبة للغسل، و لم يتغير شي ء منها، و ان
تغيرت حياتها و لم يعلم تقييد الموضوع بالحياة. و لا يجب تغسيل الميت في شي ء من الحالين، للاصل، و عدم معلومية ارادة الاغسال
من الغسل، و عدم دليل على وجوب الاغسال فيما تعذر الغسل. ج: النائم كالمستيقظ فاعلا و قابلا، بالاجماع على الظاهر، و هو الحجة فيه، و
عموم كثير من الادلة. قيل: علق فيها وجوب الغسل بتحقق الادخال، او الالتقاء، او نحوهما، و تحقق
الوجوب حينئذ في حق النائم لا معنى له، لعدم تعلق التكليف به، و التعلق بعده يحتاج
الى دليل. قلنا: علق على الادخال وجوب الغسل غيرا، و هو لا ينافي تعلقه بالنائم، كما ياتي
بيانه في الفرع السادس. و لا بد في وجوب الغسل عليه من العلم بالوقوع، فمجرد دعوى الوقاع معه لا يثبت
الفعل و سائر احكامه عليه و لو حصل الظن.و منه تظهر ندرة ترتب الثمرة فيه. و السكر و الاغماء كالنوم، و الاكراه كالطوع. د: في وجوب الغسل بادخال الذكر الملفوف في مثل خرقة او الداخل في آلة من نحو فضة
او نحاس، او ادخاله مجردا في فرج كذلك، اقوال ذكرها والدي العلامة في اللوامع:
الوجوب مطلقا، و العدم كذلك، و الاول في الملفوف بالرقيقة و الثاني في غيره. و الاصل مع الثاني، سيما في الداخل في آلة نحاسية و نحوها، و الاحتياط مع الاول،
خصوصا في الملفوف بالخرقة، سيما الرقيقة. ه: لا يجب الغسل على الفاعل و القابل بايلاج الذكر في قبل الخنثى المشكل، و لا
بايلاج قبله في قبل او دبر مطلقا، و لا بايلاج في دبره على الاقوى، و يجب عليهما في
الاخير على القول الآخر (147) . و لو اولج الذكر في قبل الخنثى و الخنثى بالانثى، قالوا: يجب الغسل على الخنثى،
لانها اما ذكر او انثى، دون الذكر و الانثى، لجواز ايلاج الذكر بالذكر، او
الانثى بالانثى، فيكونان كواجدي المني في المشترك (148) . و ما قالوه انما يصح على القول بكون الخنثى اما ذكرا او انثى.و اما لو قلنا
بانها طبيعة ثالثة، فيحتمل عدم وجوب الغسل عليها ايضا، كما يحتمل وجوبه
عليهما ايضا (149) . و لو اولج احد الخنثيين او كل منهما بالاخرى، لا يجب الغسل على واحد منهما، و
يحتمل وجوبه عليهما على القول بالطبيعة الثالثة، فتامل. و: يجب الغسل على البالغ بوطئه غير البالغ، او وط ء غير البالغ اياه، لعموم
الادلة. و هل يجب على غير البالغ بعد بلوغه؟ قيل: لا، للاصل الخالي عن معارضة العمومات
الموجبة له بالدخول و الالتقاء، لظهور تعلقها بالمكلفين. و الكركي (151) و والدي العلامة-رحمه الله-و جماعة (152) : نعم، لان العمومات
الموجبة و ان لم تتعلق به لكونها من خطاب الشرع المتوقف على التكليف، و لكن لا
يتوقف تعلق الاحكام الوضعية التي منها سببية الادخال للجنابة الموجبة للغسل بعد
التكليف و شرطية الغسل للصلاة عليه، فيجب بعد البلوغ لذلك. اقول: بعد تسليم اختصاص العمومات بالمكلفين لا مناص عن القول باختصاص
السببية للجنابة بهم ايضا، اذ لا دليل على تلك السببية الا تلك العمومات،
فانه لا دليل عاما او مطلقا على كون الادخال سببا للجنابة، بل انما ينتزع ذلك
من وجوب الغسل و سائر الاحكام الشرعية.بل نقول: لا نعلم الجنابة الا ذلك، فبعد
اختصاص الاحكام الشرعية-التي هي اما منشا انتزاع الجنابة او نفسها-بالمكلفين،
فلا وجه لاثبات الجنابة لغيرهم. و كذا اشتراط الصلاة بالغسل، فانه انما يفيد لو كان دليل على اشتراطها به لكل
من ادخل، و ليس، بل انما يدل على اشتراطها به للجنب او المحدث المتوقف صدقهما
على تعلق الحكم الشرعي الموقوف على التكليف.و اما الاجماع على السببية و
الشرطية فانتفاؤه في محل النزاع ظاهر. فالصواب الاستدلال على وجوب الغسل عليه بعد البلوغ بتلك العمومات. لا لاجل انها تدل على سببية الادخال لوجوب الغسل، و لتوقف تاثير السبب على
انتفاء المانع تدل على سببيته له حين رفع المانع الذي هو عدم البلوغ، فيصير
المعنى: اذا التقى الختانان وجب الغسل حين يمكن الوجوب و هو بعد البلوغ. لان (153) الظاهر و مقتضى الحقيقة من العمومات: السببية التامة التي تتضمن رفع
المانع، اي ترتب الوجوب على مجرد الالتقاء.و تقييد المسبب الذي هو الوجوب
بحال ارتفاع المانع ليس باولى من تقييد السبب الذي هو الالتقاء، فليس الحمل على
انه اذا التقى الختانان وجب الغسل حين ارتفاع المانع اولى بالحمل على انه
اذا التقى الختانان حين عدم المانع وجب الغسل مطلقا. بل (154) لاجل انه لما كان الغسل واجبا لغيره خاصة-كما ياتي-فيكون الوجوب مقيدا
بحال وجوب الغير لا محالة، و يكون المعنى: اذا التقى الختانان وجب الغسل بعد
تعلق وجوب الصلاة و ان لم يدخل بعد وقتها، على ما عرفت في بحث الوضوء، و تعلق مثل
ذلك الخطاب بغير المكلف جائز قطعا، لعدم استلزامه تعلق حكم شرعي حال عدم البلوغ،
فبعد اطلاقه يجب الحكم بالدخول فيه، فيجب الغسل عليه بعد البلوغ بمقتضاه. نعم، يتمشى ذلك الاستدلال على القول بانتفاء الوجوب النفسي، و اما على القول به
فلا، كما لا يخفى. و لو غسل غير البالغ حين عدم البلوغ، فهل يجزي عن غسله ام لا؟ الظاهر الثاني، لان صحته فرع تعلق الامر به و لا امر قبله، لاختصاص اوامره
بموجباته المختصة بما بعد البلوغ. ثم انه لا شك في عدم حرمة دخول المساجد و قراءة العزائم و نحوها على غير البالغ.
فهل يحرم على الولي تمكينه منه و يجب على الغير منعه؟ الحق: لا، للاصل، فان
الثابت سببية الادخال لحرمة هذه الامور على المكلف نفسه، و اما غير ذلك فلا
دليل عليه اصلا. ز: لو وطئ الكافر حال كفره او امنى، يجب عليه الغسل بعد اسلامه، بالاجماع المحقق
و المحكي في كلام غير واحد (155) . اما على القول بكونه مكلفا بالفروع-كما هو المشهور بل عليه اتفاق فحول اصحابنا
و عمدتهم-فظاهر. و اما على القول بعدمه-كما ذهب اليه شرذمة من متاخري الاخباريين (156) -
فللعمومات المتقدمة بالتقريب المذكور في غير البالغ. و منه يظهر ان بناء وجوبه عليه على القول بكونه مكلفا بالفروع-كما هو الظاهر من
الاكثر-غير صحيح. خلافا لبعض الاخباريين، فلم يوجب عليه الغسل، لقوله عليه السلام: «الاسلام يجب ما قبله » (157) . و لعدم نقل امرهم عليهم السلام، احدا ممن اسلم-و لا يسلم عن حدث الجنابة
غالبا-بالغسل، مع كثرتهم و توفر الدواعي على نقله. و الاول مردود: بالضعف و عدم الجابر، مع انه لا عموم فيه. و الثاني: بكفاية عمومات الغسل للامر بغسلهم كسائر التكاليف، على انه نقل امر
قيس بالغسل حين اسلم (158) . و قال اسيد و سعد لمصعب و اسعد: كيف تصنعون اذا دخلتم هذا الامر؟ قالا: نغتسل و نشهد شهادة الحق (159) . و لا يجزي غسله حال كفره و ان كان واجبا في مذهبه و موافقا في الكيفية له في
شرعنا، لا لعدم صحته، لعدم تاتي نية القربة منه، لمنعه.بل لان الصحة عبارة عن موافقة
الامر، و هي موقوفة على قصده امتثاله، و هو في حقه غير متحقق، و ان قصد امتثال امر
آخر ورد في مذهبه.
البحث الثاني: في احكام الجنب.
و هي كثيرة، فان من الامور ما يجب عليه، و ما يستحب، و ما يحرم، و ما يكره، و
ما يباح. فالاولان: الغسل عند وجوب غاياته الآتية او استحبابها. و اما المحرمة: فمنها: الصلاة مطلقا واجبة كانت او مندوبة، بالاجماع و المستفيضة (160) . و صلاة الميت ليست صلاة، و لو كانت فهي مستثناة بالادلة. و منها: الطواف، كما ياتي في محله. و منها: قراءة احدى العزائم الاربع بالاجماع المحقق و المنقول في احكام الراوندي
و المعتبر و المنتهى و التذكرة (161) و اللوامع و غيرها (162) ، و هو الحجة، مضافا
الى المعتبرة. منها: حسنة محمد: «الجنب و الحائض يفتحان المصحف من وراء الثوب و يقرآن من
القرآن ما شاءا الا السجدة » (163) . و موثقة زرارة و محمد، المروية في العلل بطريق صحيح: الحائض و الجنب يقرآن شيئا؟
قال: «نعم، ما شاءا الا السجدة و يذكران الله على كل حال » (164) . و الرضوي: «و لا باس بذكر الله و قراءة القرآن و انت جنب الا العزائم التي يسجد
فيها، و هي ا لم تنزيل، و حم السجدة، و النجم، و سورة اقرا، و لا تمس القرآن اذا كنت
جنبا او على غير وضوء و مس الاوراق » (165) . و المروي في المعتبر عن جامع البزنطي، حيث قال بعد حكمه بجواز قراءة الجنب و
الحائض ما شاءا: الا سور العزائم الاربع روى ذلك البزنطي في جامعه عن المثنى،
عن الحسن الصيقل، عن ابي عبد الله عليه السلام (166) . و الاولان و ان لم يكونا صريحين، لجواز كون الاستثناء من مجرد الاستحباب،
فلا ينافي الجواز. و القول باستلزامه للاستحباب هنا-لكونه من العبادات فلا معنى للاستثناء-باطل،
لجواز ان يعني به ما عنوا في الزائد عن سبع آيات. مع ان قراءة القرآن ليست كسائر العبادات التي يتوقف جوازها على التوقيف، و
انما المتوقف عليه استحبابها، فيكون بدونه كقراءة الخطب و نحوها. و الحاصل: ان ما يحكم فيه بالاستحباب بعد ثبوت الجواز ما ثبت صحته
المستلزمة لموافقته للمامور به، المستلزمة للثواب عليه كالصلاة في الحمام، و
اما ما لم يكن كذلك فلا. و لا صريحين في حرمة قراءة السورة، لجواز ارادة الآية من السجدة، فانها
كالسورة من مجازاتها، و لا مرجح. و شيوع التعبير عن السور باشهر الفاظها و اكثريته غير مفيد في الترجيح، و
انما المفيد شيوع اشهر الالفاظ في كونه معبرا به عن السور و اكثريته، و هو
ممنوع، و بينهما بون بعيد. و لكن الاخيرين صريحان في الحرمة و السورة، فالقول بهما-كما هو المشهور-
متعين، و ضعفهما بعد الشهرة العظيمة و الاجماعات المحكية (167) غير ضائر. فتخصيص الحرمة بنفس الآية، كما عن محتمل الانتصار (168) و الاصباح، و الفقيه، و المقنع،
و الهداية، و الغنية (169) ، و جمل الشيخ و مبسوطه و مصباحه (170) و مختصره و الوسيلة (171) و
النافع (172) ، مع بعد في الخمسة الاول، و استوجهه بعض المتاخرين (173) و تردد فيه في
الكفاية (174) ، غير جيد. نعم، الظاهر منهما اختصاص الحرمة بنفس السورة، فلو خصت بها و بآية السجدة
المجمع على حرمتها و لم يتعد الى غيرهما، لكان متجها، للاصل. و التعدي الى سائر ابعاضها مفرعا له على تحريم السورة-كما فعله جماعة (175) - لا وجه
له، لعدم صدق قراءة السورة على مطلق البعض و لو كان كلمة، سيما اذا لم يقصد قراءة غير
البعض.و لا يتبادر من قراءة السورة قراءة كل بعض، و يصح السلب عنها، فيقال: ما قرا
السورة و لكن قرا بعضها. و الاستعمال احيانا-كما يقال للمشتغل بقراءة سورة: يقرا السورة الفلانية، مع انه
لم يقرا الا بعضها-اعم من الحقيقة، مع انه انما هو اذا ظن ارادته اتمام
السورة او لم يعلم ارادة قراءة البعض. فالقول بجواز قراءة سائر الابعاض قوي جدا، و الاجماع على عدمه سيما مع مخالفة من
ذكر بكثرتهم في غير آية السجدة غير ثابت. نعم، لو قصد من قراءته الاتمام، ارتكب المحرم و لو عرض مانع منه (176) . و منها: مس كتابة المصحف عند المعظم، بل عليه الاجماع عن الخلاف و المعتبر و
المنتهى و التذكرة و الغنية و الذكرى (177) ، بل لعله المحقق، لعدم ثبوت خلاف
و المبسوط (179) و قولهما بالكراهة كما نسب اليهما، لان ارادة الحرمة
من الكراهة في العرف الاول شائعة، مع ان في اللوامع تصريح الثاني في الجنب
بالتحريم، و انما قال بالكراهة في الحدث الاصغر. و لو ثبت خلافهما ففي تحقق الاجماع غير قادح، فهو الحجة في المسالة، مضافا
الى ما مر في بحث الوضوء، مع سائر ما يتعلق بهذه المسالة (180) . و لا يلحق بها اسم الله سبحانه، و لا اسماء الانبياء و الحجج وفاقا فيهما لمن
تقدم على الشيخين، كما صرح به بعض الاجلة (181) ، و بعض من تاخر كالاردبيلي (182) ، و
ظاهر المدارك و الكفاية (183) .و في الاخيرين للمعتبر، و المنتهى، و التحرير (184) ايضا،
و معظم الثالثة (185) ايضا. للاصل المؤيد بالمروي في المعتبر: يمس الدراهم و فيها اسم الله او اسم رسوله؟
قال: «لا باس به و ربما فعلت ذلك » (186) لترك الاستفصال يعم مس الاسم منه ايضا. خلافا في الاول خاصة للكتب الثلاثة المذكورة (187) ، و نهاية الاحكام (188) مدعيا
عليه عمل الاصحاب في الثاني، و انتفاء الخلاف في الرابع. و فيهما للمقنعة، و جمل الشيخ و مصباحه (189) و مختصره و مبسوطه، و السرائر و المهذب
و الوسيلة (190) و الاصباح و الجامع و احكام الراوندي و الغنية و القواعد و
الارشاد و التبصرة (191) و الكركي (192) ، و الشهيد (193) بل الاكثر كما في شرح القواعد
للمحقق الثاني (194) ، بل عليه الاجماع كما عن الغنية (195) . لموثقة عمار: «لا يمس الجنب درهما و لا دينارا عليه اسم الله تعالى » (196) في الاول، و
نقل الاجماع، و وجوب تعظيم شعائر الله فيهما. و يضعف الاول: بعدم الدلالة على الحرمة.و الثاني: بعدم الحجية. و الثالث: بمنع الدليل على الكلية. ثم على القول بالتحريم في الاول: ففي اختصاصه بالجلالة-كما في الموجز
الحاوي-للاصل، و احتمال اختصاص الموثقة، بجعل الاضافة بيانية.او مع الرحمن و
نحوه من الاعلام في سائر اللغات، لكونه علما و ظهور الاضافة في اللامية.او مع
سائر اسمائه تعالى، و ان لم يكن اعلاما، كما يعطي احد الاخيرين -على ما قيل (197)
-كلام المقنعة، و الاقتصاد، و المصباح (198) ، و مختصره، و الوسيلة، و الغنية، و الجامع (199) ،
لاشتراك الجميع في وجوب التعظيم، اوجه. كما ان في تعميم المنع لما جعل جزء اسم-كما في عبد الله-لقصد الواضع اسمه سبحانه،
و تخصيصه بغيره للخروج عن الاسم بالجزئية، وجهين. و منها: اللبث في المساجد مطلقا، وفاقا لغير شاذ ياتي (200) ، بل للمعظم، بل عن الخلاف
و الغنية الاجماع عليه (201) ، بل عن المحقق حيث نقل الاجماع على وجوب الغسل (202) ، و في
المنتهى عدم معرفة الخلاف فيه (203) . للاجماع و للآية الكريمة (204) الناهية المفسرة بهذا في صحيحة زرارة و محمد، المروية في
العلل: الحائض و الجنب يدخلان المسجد ام لا؟ قال: «لا يدخلان المسجد الا
مجتازين، ان الله يقول: «و لا جنبا الا عابري سبيل حتى تغتسلوا» و ياخذان من
المسجد و لا يضعان فيه شيئا» (205) الحديث. و مثلها المروي في تفسيري العياشي و القمي عن الباقر و الصادق عليهما السلام (206) .
و فيما رواه الطبرسي عن الباقر عليه السلام ان معناه: لا تقربوا مواضع الصلاة
من المساجد و انتم جنب الا مجتازين (207) . و لا يضر ضم السكارى مع الجنب في ابقاء النهي على حقيقته، لان النهي فيهم انما هو
عن كونهم حين قرب المسجد سكارى، بان لا يشربوا في وقت يؤدي الى دخولهم المسجد
حال سكرهم، حيث ان السكران لا يصلح لتوجه الخطاب. مع ان الاجماع على عدم حرمة دخول السكران في المسجد غير ثابت، و لذا قال في
البحار: انه يمكن استنباط منع السكران من دخول المسجد عن الآية (208) . و للمروي في الخصال و مجالس الصدوق: «و نهى ان يقعد الرجل في المسجد و هو جنب » (209) . و صحيحة ابي حمزة: «اذا كان الرجل نائما في المسجد الحرام، او مسجد الرسول
صلى الله عليه و آله، فاحتلم فاصابته جنابة فليتيمم، و لا يمر في المسجد الا
متيمما حتى يخرج منه ثم يغتسل، و كذلك الحائض اذا اصابها الحيض تفعل كذلك، و
لا باس ان يمرا في سائر المساجد و لا يجلسا فيها» (210) . و اما على ما في بعض الكتب الاستدلالية فلا صراحة لها في الوجوب حيث عبر فيها
بقوله: «و لا يجلسان » (211) . ، و رواية ابن حمران (214) ،
و غيرها مما بمعناها.بل استدل بها الاكثر، و ان كان عندي محل نظر، لعدم صراحتها
في الوجوب و ان كانت لها محتملة، كما ذكرنا غير مرة. خلافا للمحكي عن الديلمي فكرهه (215) ، للاصل و صحيحة محمد. و عن الفقيه، و المقنع، فجوزا نومه فيها (216) ، لصحيحة محمد بن القاسم: عن الجنب ينام في المسجد، فقال: «يتوضا و لا باس ان ينام في المسجد و يمر
فيه » (217) . و الاصل مندفع بما مر، و الصحيحة بمعزل عن الحجية، لمخالفتها للآية الكريمة و
الشهرة العظيمة، و موافقتها للحنبلية (218) كما هي محكية، مع ان ارادة الغسل من التوضؤ
ممكنة. و لا يحرم الاجتياز فيما عدا المسجدين، بالاجماع و الآية و الروايات. و هل الجواز الجائز يختص المرور بالدخول من باب و الخروج من آخر، او يشمل
الدخول و الخروج من باب واحد من غير انحراف و تردد، او يشمل التردد و المشي في
الجوانب ايضا؟ الظاهر المتبادر من الآية و الروايات المفسرة لها، بل صريحها-كما قيل (219) - هو
الاول، كما هو-على ما حكي-مذهب الاكثر، بل هو الاقوى و الاظهر. و تجويز شمولها للاخيرين بعيد عن الصواب. و لو سلم فلا يضر، اذ مجرد الاحتمال لا يكفي في الخروج عن المستثنى منه، بل قضية
الاصل تقتضي عدم خروج ما لم يقطع بخروجه. و اما حسنة جميل: عن الجنب يجلس في المساجد؟ قال: «لا، و لكن يمر فيها كلها الا
المسجد الحرام و مسجد الرسول صلى الله عليه و آله » (220) و خبره: «للجنب ان يمشي في
المساجد كلها و لا يجلس فيها الا المسجد الحرام و مسجد الرسول صلى الله عليه
و آله » (221) و ان اقتضيا باطلاقهما جواز التردد، الا ان مقتضى تعارضهما مع الآية
بالعموم من وجه، و وجوب تقديم الكتاب حينئذ: حمل المرور و المشي فيهما على
الاحتمال الاول. مع ان اقتضاء الاولى لذلك ممنوع غايته، لمنع صدق المرور على غير الاول، بل الظاهر
منه العبور. و لا يجب عليه في الاجتياز اختيار اقرب الطريقين اذا تعدد طريق الجواز، لصدق
العبور و الاجتياز. و هل يجب في الطريق الواحد العبور منه على اقرب المسافات، او يجوز الانحراف
بحيث تزيد المسافة؟ الظاهر: الثاني اذا لم يخرج عن صدق العبور عرفا. خلافا للمنتهى، فاوجب اختيار الاقرب، اقتصارا في محل المنع على قدر الضرورة (222) .
و فيه: منع كونه محل المنع. و البائرة من المساجد كالدائرة و لو لم يبق الا ارضها ما لم تبلغ حد الموات،
لصدق اسم المسجد، و استصحاب الحكم. و لو اضطر الجنب الى اللبث فيها-لعدم امكان خروجه، او خوفه على مال محترم
بالخروج-تيمم و لبث، لعموم البدلية، كما ياتي. و لا تلحق بالمساجد الضرائح المقدسة و المشاهد المشرفة و المواقف الكريمة، كمشعر و
منى، وفاقا للاكثر، للاصل. و خلافا في الاولين للشهيدين (223) ، لاشتمالها على فائدة المسجدية، و للمروي في
بصائر الدرجات و قرب الاسناد و فيه: «يا ابا محمد اما تعلم انه لا ينبغي لجنب ان
يدخل بيوت الانبياء» (224) . و في ارشاد المفيد (225) ، و كشف الغمة (226) ، و رجال الكشي و فيه: و احد النظر اليه و قال:
«هكذا تدخل بيوت الانبياء و انت جنب؟ ! » (227) . و في الخرائج و الجرائح، و فيه: فقال له ابو عبد الله الحسين عليه السلام: «اما تستحيي يا اعرابي ان تدخل على امامك و انت جنب؟ ! » (228) . و لتساويهم حيا و ميتا-كما هو المستفاد من الاخبار-يثبت الحكم في
المطلوب. و يجاب عنها بضعفها، و عدم دلالتها على الحرمة مع ان في بيوتهم غالبا من لا
يخلو عن جنابة او حيض او نفاس. نعم، لا شك في الكراهة، لما مر. و منها: وضع الشي ء فيها، على الاظهر الاشهر، و عن الغنية الاجماع عليه (229) ، بل عن
الفاضل، لنقله الاجماع على وجوب الغسل له (230) . للرضوي المنجبر بالعمل: «و لهما-اي الجنب و الحائض-ان ياخذا منه، و ليس لهما ان
يضعا فيه » (231) فان المتبادر من تركيب «ليس لهما» التحريم. و تؤيده صحيحة العلل، المتقدمة (232) ، و صحيحة ابن سنان: عن الجنب و الحائض يتناولان
من المسجد المتاع يكون فيه؟ قال: «نعم، و لكن لا يضعان في المسجد شيئا» (233) . خلافا للمحكي عن الديلمي (234) و موضع من الخلاف (235) ، فكرهاه، للاصل. و جوابه ظاهر.و حمل الكراهة على التحريم كما هو الشائع عندهم ممكن. و لبعض المتاخرين (236) ، فخص التحريم بالوضع المستلزم للبث. قيل: لتعارض اطلاق تحريم الوضع و تجويز المشي، فيرجع في محل الاجتماع الى الاصل. و ضعفه ظاهر، اذ لا تعارض اصلا. و مقتضى اطلاق ما مر: حرمة الوضع فيه و لو من غير دخول، كما صرح به الاكثر.و هو
كذلك.و ما يدل على خلافه-كما ياتي-لا حجية فيه. و اما الطرح فيه من الخارج فلا باس به، لعدم ثبوت صدق الوضع عليه، و لو صدق،
فالشهرة الجابرة فيه غير معلومة. و مقتضى صريح ما تقدم: جواز الاخذ منه.و هو كذلك، و الاجماع منعقد عليه. و اما ما في تفسير القمي: «و يضعان فيه الشي ء و لا ياخذان منه » ، فقلت: فما بالهما يضعان فيه الشي ء و لا ياخذان منه؟ قال: «فانهما يقدران على وضع الشي ء
من غير دخول و لا يقدران على ان ياخذا منه حتى يدخلا» (237) ، فلا يصلح للمعارضة، لضعفه
بنفسه، و لمخالفته العمل. و منها: دخول المسجد الحرام و مسجد النبي صلى الله عليه و آله، فانه يحرم
مطلقا و لو اجتيازا، على الاشهر، بل عليه الاجماع في المعتبر و المدارك و
التذكرة (238) ، و عن ظاهر الغنية (239) ، و نفي الخلاف بين الاصحاب في الحدائق (240) . لمفهوم قوله في صحيحة ابي حمزة: «و لا باس ان يمرا في سائر المساجد» (241) . و تؤيده حسنة جميل، و روايته، و رواية ابن حمران، و حسنة محمد (242) . و للمروي في العيون و المجالس عن رسول الله صلى الله عليه و آله: «الا ان هذا
المسجد لا يحل لجنب الا لمحمد و آله » (243) . و لم يتعرض جماعة-كالصدوقين (244) و المفيد (245) و الديلمي (246) و الشيخ في الجمل و
الاقتصاد و المصباح (247) و مختصره، و الكيدري-له، مع اطلاقهم جواز الاجتياز في
المساجد، و كانه لقصور ما ذكر عن اثبات الحرمة.و هو كذلك لو لا مفهوم الصحيحة،
و لكنه كاف في اثباتها. ثم لو احتلم في احدهما يجب ان يتيمم، لدلالة المستفيضة (248) .فقول الشاذ (249) منا
بالاستحباب ضعيف. و في حكم الاحتلام فيهما الجنابة في اليقظة او دخول الجنب فيهما سهوا، او
عمدا لضرورة ام لا، لعدم تعقل الفرق كما قيل (250) ، بل لعموم بدلية التيمم فيجب مع
امكانه. و اما المكروهة: فمنها: الاكل و الشرب على الاظهر الاشهر، بل عليه الاجماع عن الغنية و التذكرة (251)
و غيرهما (252) ، للمستفيضة: منها: مرسلة الفقيه: «الاكل على الجنابة يورث الفقر» (253) . و الاخرى: «نهى رسول الله صلى الله عليه و آله عن الاكل على الجنابة » و قال: «انه
يورث الفقر» (254) . و نحوهما المروي في الخصال و المجالس (255) . و صحيحة الحلبي: «اذا كان الرجل جنبا لم ياكل و لم يشرب حتى يتوضا» (256) . و رواية السكوني: «و لا يذوق-اي الجنب-شيئا حتى يغسل يديه و يتمضمض، فانه يخاف
منه الوضح » (257) . و الرضوي: «و اذا اردت ان تاكل على جنابتك، فاغسل يديك و تمضمض و استنشق ثم كل
و اشرب الى ان تغتسل، فان اكلت او شربت قبل ذلك اخاف عليك البرص، و لا تعد الى
ذلك » (258) الى غير ذلك. خلافا للمحكي عن الفقيه، فلم يجوزهما له (259) ، لظاهر النهي. و يضعف: بوجوب حمله على التنزيه. لا لمعارضته مع موثقة ابن بكير: عن الجنب ياكل و يشرب و يقرا؟ قال: «نعم، ياكل و يشرب و يقرا و يذكر الله ما شاء» (260) . لان بعد تخصيص النهي بما قبل الاتيان بما اجمع على انه مزيل للكراهة تكون ادلته
اخص مطلقا من الموثقة فتخصصها. بل لعدم قول به الا منه، فيضعف لاجله روايات النهي، و يقصر عن اثبات الزائد عن
الكراهة.مع ان التعليل في عبارته مشعر بارادته الكراهة ايضا كما قيل (261) . ثم مقتضى المرسلتين و ان كان الكراهة مطلقا، فلا تزول الا بالغسل و زوال
الجنابة، الا ان مقتضى مفهومي الغاية و الشرط في البواقي: تقييدهما و زوالها
بغير الغسل ايضا اذا اتى بما ذكر فيها. ثم الامر المزيل لها قبله هل هو الوضوء خاصة؟ كما عن المقنع (262) ، او هو او المضمضة
و الاستنشاق؟ كما عن المنتهى و التحرير و نهاية الاحكام و الدروس (263) ، او
الاخيران فقط؟ كالقواعد (264) و عن الخمسة (265) و اتباعهم، بل نسب الى المشهور (266) ،
او هما مع غسل اليدين؟ كما عن الفقيه و الهداية و الامالي (267) ، او هو مع المضمضة؟ كالمعتبر (268) ، او هما مع غسل الوجه؟ كالنفلية (269) ، او هو مع المضمضة، او الوضوء، او
غسل اليدين، مع افضلية الاولين؟ كالمدارك (270) ، او كل مما ذكر تخييرا؟ كاحد
المحتملين في اللوامع و المعتمد.فيه اقوال، منشؤها: اختلاف الاخبار التي منها
ما تقدم. و منها: صحيحة زرارة: «الجنب اذا اراد ان ياكل و يشرب غسل يده و تمضمض و غسل وجهه
و اكل و شرب » (271) . و صحيحة البصري: ا ياكل الجنب قبل ان يتوضا؟ قال: «انا لنكسل (272) ، و لكن ليغسل يده، و
الوضوء افضل » (273) . مضافا الى اختلاف الافهام في كيفية تعارضها-من جهة دلالة بعضها على عدم
انتفاء الكراهة الا بالتوضؤ، و آخر على انتفائها بالمضمضة و غسل اليد و عدمه
بدونهما، و ثالث بغيرهما-و في وجه الجمع بينها. و تحقيق المقام بعد بيان امرين: احدهما: انه لا دلالة لاستحباب امر عند ارتكاب آخر ثابت الكراهة على انتفائها بعد
فعل ذلك المستحب بوجه من الوجوه. و من ذلك يظهر عدم كون الصحيحتين من اخبار المقام منافيتين للاخبار
المتقدمة اصلا، غايتهما استحباب ما ذكر فيهما للجنب عند الاكل و الشرب. و ثانيهما: ان المصرح به في الاخبار ان كراهة الاكل و الشرب للجنب انما هي
لامرين: احدهما: ايراثه الفقر.و الآخر: ايجابه البرص.و المستفاد من روايتي
السكوني و الرضوي: انتفاء الثاني خاصة بفعل ما ذكر فيهما دون الاول ايضا، و
لازمه تخفيف الكراهة بفعله، اذ تخفيف مرجوحية ما فيه جهتا مرجوحية بزوال
احداهما لا انتفائها راسا.و على هذا فلا تعارض بين الروايتين و صحيحة الحلبي
ايضا، لانها تدل بمفهوم الغاية على انتفاء مطلق النهي بالتوضؤ، و هما تدلان على
انتفاء خوف البرص بغسل اليد و المضمضة، او مع الاستنشاق ايضا. نعم، يعارض منطوق الرضوي المصرح ببقاء ذلك الخوف قبل الثلاثة مطلقا -و ان غسلت يدك و
تمضمضت-مع مفهوم رواية السكوني الدال على انتفاء الخوف بالامرين مطلقا-سواء
كان معهما الاستنشاق ام لا-بالعموم من وجه، و اذ لا مرجح فيرجع الى اصالة بقاء
الكراهة و عدم تخفيفها بدون الثلاثة. و من ذلك ظهر ان حق القول في المسالة انتفاء الكراهة بالوضوء و تخفيفها بغسل
اليدين و المضمضة و الاستنشاق. و عن ظواهر الاقتصاد، و المصباح (274) ، و مختصره، و السرائر، و النهاية (275) ، و في
الشرائع (276) : تخفيفها بالاخيرين، من غير تعرض للانتفاء بالوضوء. قيل: لعله لتعليل النهي عن الاكل على الجنابة بايراثه الفقر، و ما ذكر لا يرفع
الجنابة التي هي العلة (277) . و فيه: ان مقتضى مفهوم الغاية في الصحيحة انتفاء النهي الذي هو المعلول بالوضوء،
و هو كاشف عن عدم علية مطلق الجنابة.مع انه لو كانت العلة لما كان وجه للخفة، لعدم
تخفيف الجنابة بالاستنشاق و المضمضة. ثم لا شك في عدم اعتبار تعدد الامور المذكورة بتعدد الاكل و الشرب مع الاتصال.
و هل يعتبر مع التراخي مطلقا، او اذا طال الزمان، او تخلل الحدث، او لا يعتبر
مطلقا؟ اظهرها الاول، لعموم قوله: «اذا اردت » -في الرضوي-و عدم القول بالفصل
بين ما فيه و بين الوضوء في ذلك. و يمكن اعتبار تخلل الحدث في تعدد الوضوء خاصة، فتامل. و منها: قراءة غير العزائم من القرآن مطلقا، وفاقا للمحكي عن الخصال و المراسم و
ابن سعيد (278) ، لرواية الخدري: «يا علي، من كان جنبا في الفراش مع امراته فلا يقرا
القرآن، فاني اخشى ان تنزل عليهما نار من السماء فتحرقهما» (279) . المؤيدة بالمروي في الخصال: «سبعة لا يقرؤون القرآن » و عد منهم: الجنب و النفساء و
الحائض (280) . و بروايتي قرب الاسناد و الخصال، المتقدمتين في الوضوء المستحب (281) . و جعلهما مؤيدتين، لاحتمال ارادة نفي الاباحة الخاصة او الاستحباب منهما، و لا
تلزم منه حرمتها حيث انها عبادة، لان قراءة القرآن ليست من التوقيفيات التي
لم تتحمل الاباحة و الكراهة، كما مر. و حاصله: ان عدم ابقاء الكراهة على المعنى المصطلح فيما يقول به انما هو اذا
كانت مما ثبتت صحته المستلزمة للثواب و المطلوبية، و لم يثبت ذلك فيما نحن
فيه. و تؤيد المطلوب ايضا الرواية العامية عن علي عليه السلام: «لم يكن يحجب
النبي-او قال يحجزه-عن قراءة القرآن شي ء سوى الجنابة » (282) . خلافا لجماعة، فخصوا الكراهة بالزائد على السبع، اما مطلقا، كالمعتبر و النافع
و المنتهى و القواعد (283) ، و الكركي (284) ، و غيرهم (285) ، لمضمرة سماعة: عن الجنب هل يقرا
القرآن؟ قال: «ما بينه و بين سبع آيات » (286) . او مع اشتدادها في الزائد على السبعين، كما في الشرائع و الكفاية (287) و اللوامع و
المعتمد، و غيرها، لمضمرته الاخرى، و فيها بدل سبع آيات: سبعين آية (288) . دلتا على جواز قراءة ما نقص عن السبع. و لكونها عبادة لا يكون الجواز فيه الا مع المطلوبية المنافية للكراهة.مع ان
المستفاد من مفهوم الوصف عدم قراءة الجنب للزائد المحمول على الكراهة، لضعف
القول بالتحريم كما ياتي، فلا يكون الناقص مكروها. و يضعف: بمنع استلزام الجواز هنا للمطلوبية، بل التساوي.و منع كون مطلق قراءة
القرآن عبادة، و انما هو فيما سلمنا الثواب عليه و هو في المقام ممنوع، كما مر.
مع انه لو استلزمها، لكانت الكراهة فيه ايضا بمعنى لا ينافيها قطعا. و بعدم حجية مفهوم الوصف. مع ان حملهما على شدة الكراهة ممكن، كما ارتكبوه في خبر السبعين. و لاخرى (289) ، فنفوها مطلقا، كما في المدارك و البحار و عن جمل الشيخ (290) ، للاصل، و
عموم قوله عز شانه: «فاقرؤوا ما تيسر» (291) و الاخبار المصرحة بانه يقرا القرآن،
او ما شاء منه، او بنفي الباس عن قراءته، كصحيحتي الفضيل (292) و الحلبي (293) ، و موثقة
ابن بكير (294) ، و غيرها. و الاول بما مر مندفع.و الثاني به مخصوص، مع انه لثبوت حرمة قراءة العزائم على
الجنب يكون في الآية تقييد قطعا، و هو كما يمكن ان يكون في المقروء بتقييده بغير
العزائم يمكن ان يكون في القارئ بتخصيصه بالمتطهر، و حينئذ لا ينافي ما مر مطلقا، و
اذ لم يتعين احد الاحتمالين يحصل فيه الاجمال المنافي للاستدلال. و منه يعلم انه لا يمكن الحكم بكون الآية اعم من وجه مما مر. و الثالث غير مناف للكراهة، اذ لا يثبت منه الا الجواز المتحقق معها ايضا. و لثالثة (295) ، فحرموها اما مطلقا، كالديلمي في احد قوليه (296) ، لروايتي الخصال و
الخدري، المتقدمتين (297) .او في الزائد على السبع، كما عن القاضي (298) ، و ظاهر المقنعة و
النهاية (299) ، و بعض الاصحاب كما في المختلف (300) ، و محتمل التهذيبين (301) ، للمضمرة
الاولى، و بها تخصص الروايتان.او على السبعين، كما نقله في المنتهى عن بعض
الاصحاب (302) ، للمضمرة الثانية. و يضعف الاول: بقصور الروايتين عن اثبات حرمتها من حيث الدلالة، لخلوهما عن
الدال عليها، و عدم انتهاضهما له لو دلتا، لمعارضتهما مع الاخبار المجوزة
الراجحة عليهما بالاكثرية عددا، و الاصحية سندا، و الاوضحية دلالة، و بالموافقة
للمشهور و نقل الاجماع على الجواز، كما عن الانتصار و الخلاف و الغنية و احكام
الراوندي و المعتبر (303) ، و لعموم الكتاب، و المخالفة للعامة (304) .مع كون المرجع
اصالة عدم الحرمة لو لا الترجيح. و الثانيان: بجميع ما مر، مضافا الى ان دلالتهما بمفهوم الوصف الذي ليس
بحجة. و توهم اخصيتهما عن المجوزات-لاختصاصهما بالسبع او السبعين فتقدمان
عليها-فاسد جدا، لاختصاصها بما عدا العزائم ايضا. ثم انه لا فرق في الكراهة بين القراءة من ظهر القلب او من المصحف، لاطلاق
الادلة.كما لا فرق فيها في السبع او السبعين-على القول بالاختصاص بهما-بين
الآي الطويلة و القصيرة، و لا بين السبع او السبعين المجتمعة في القرآن او
المتفرقة. نعم، الظاهر المتبادر منها المتوالية و المتغايرة، فبحكم الاصل لا كراهة في
المتراخية و الواحدة المتكررة. و منها: حمل المصحف، لفتوى الجماعة، كما في اللوامع.و يؤيده بل يدل عليه ايضا نهي
الجنب عن تعليقه في رواية ابراهيم بن عبد الحميد (305) . و منها: تعليقه، لما مر. و منها: مس ما عدا الكتابة في المصحف، لروايتي المجمع: احداهما: «لا يجوز للجنب و الحائض و المحدث مس المصحف » . و الاخرى عن الباقر عليه السلام: في قوله تعالى: «لا يمسه الا المطهرون » قال:
«من الاحداث و الجنابات » (306) . و رواية ابن عبد الحميد: «المصحف لا تمسه على غير طهر و لا جنبا» (307) . و شمولها للخط المحرم مسه بدلالة خارجية لا يضر في المطلوب، بعد صدق مس المصحف
عليه ايضا.و ضعفها مانع عن اثبات التحريم بها في غير موضع الانجبار الذي هو
مس الخط.مع ان الثانيتين غير دالتين عليه، كالآية و سائر ما بمضمونهما. و لو دل حديث على التحريم، فتاويله او طرحه متعين، لمعارضته مع الرضوي المنجبر
بالاصل و الشهرة التي كادت ان تكون اجماعا: «لا تمس القرآن اذا كنت جنبا او
على غير وضوء، و مس الاوراق » (308) . فالقول به-كما عن السيد (309) -ضعيف جدا. و منها: النوم، بالاجماع، كما في المعتبر و المنتهى، و عن الغنية و ظاهر
التذكرة (310) ، فهو فيه الحجة، مضافا الى المعتبرة: كصحيحة الحلبي: عن الرجل ا ينبغي له ان ينام و هو جنب؟ قال: «يكره ذلك حتى يتوضا» (311) .
و مفهوم الرضوي: «و لا باس ان تنام على جنابتك بعد ان تتوضا وضوء الصلاة » (312) . و المروي في العلل: «لا ينام المسلم و هو جنب و لا ينام الا على طهور، فان لم يجد
الماء فليتيمم بالصعيد» (313) . و صحيحة عبد الرحمن: عن الرجل يواقع اهله ا ينام على ذلك؟ قال: «ان الله يتوفى
الانفس عند منامها، و لا يدري ما يطرقه من البلية، اذا فرغ فليغتسل » (314) . و موثقة سماعة: عن الجنب يجنب ثم يريد النوم، قال: «ان احب ان يتوضافليفعل، و
الغسل افضل من ذلك، فان نام فلم يتوضا و لم يغتسل، فليس عليه شي ء» (315) . وجه دلالة الاخيرين: ان مقتضاهما استحباب الغسل للجنب قبل النوم، فيكره ضده، و
هو: النوم، بناء على ما اثبتناه (316) من كون الامر الاستحبابي نهيا تنزيهيا عن
ضده الخاص. و بالاخيرة و بصحيحة الاعرج: «ينام الرجل و هو جنب و تنام المراة و هي جنب » (317)
يضعف انتهاض ما كان ظاهره التحريم لاثباته، مع انه للاجماع مخالف. ثم مقتضى الاولى مؤيدا بالثانية، كظاهر الاكثر، بل عليه الاجماع في اللوامع:
انتفاء الكراهة بالوضوء.و هو كذلك، لذلك. فاطلاق الكراهية-كما عن الاقتصاد (318) -بعيد عن السداد.و كذلك ما قيل من تخفيفها به (319) ،
و حكي عن ظاهر النهاية و السرائر (320) ، فان مفهوم الغاية صريح في انتهاء الكراهة. و ليس مقتضى احبية الغسل من الوضوء-كما في الموثقة-و لا مقتضى التعليل بما علل
في الصحيحة بقاءها الى الاغتسال اصلا، بل مقتضاهما استحباب الغسل، و هو مسلم. و اضعف منهما: القول بالزوال بالمضمضة و الاستنشاق، لعدم دليل عليه. و لا تزول الكراهة بارادة العود الى الجماع كما في البحار (321) ، للاصل، و عدم
دلالة مستنده، و هي مرسلة الفقيه المذكورة بعد صحيحة الحلبي، المتقدمة: «انا انام على
ذلك، و ذلك اني اريد ان اعود» (322) . لا لما قيل من ان المراد العود الى الانتباه، يعني: اني اعلم ان لا اموت (323) ، لبعده
غايته. بل لانه يمكن ان يكون المشار اليه في ذلك الوضوء، و التعليل لترك الغسل. و هل يقوم التيمم مقام الوضوء عند عدم الماء في ازالة الكراهة؟ الظاهر العدم،
للاصل. نعم، مفاد[المروي في العلل] (324) بدليته عنه عنده في الاستحباب.و هو كذلك، بل هو مقتضى
عموم بدليته.و يتخير حينئذ في نية البدلية عن احد الطهورين، و لعل عن الغسل افضل.
و منها: الخضاب، و هو ما يتلون به اللحية و الاطراف من حناء و غيره، كما قيل (325) ، و
الاولى بحكم التبادر: و نحوه (326) . و كراهته هي الاظهر الاشهر بل من غير خلاف ظهر، و نسبته الى الصدوق في الفقيه
غير جيد، لنفيه الباس عنه (327) ، و هو لا ينافي الكراهة على الاصح، بل عن الغنية الاجماع
عليه (328) ، فهو حجة المسالة، مضافا الى المستفيضة: كرواية ابن جذاعة: «لا تختضب الحائض و لا الجنب، و لا تجنب و عليها خضاب، و لا
يجنب هو و عليه خضاب، و لا يختضب و هو جنب » (329) . و رواية ابن يونس: عن الجنب يختضب او يجنب و هو مختضب؟ فكتب عليه السلام: «لا
احب له » (330) . و ابي سعيد (332) و المروي في مكارم الاخلاق: «يكره ان يختضب الرجل و
هو جنب » و قال: «من اختضب و هو جنب او اجنب في خضابه لم يؤمن عليه ان يصيبه
الشيطان بسوء، فان الشيطان يحضرهما عند ذلك » (333) . و لا يحرم اجماعا محققا و منقولا، للاصل، و خلو ما مر جميعا من الدال عليه، مضافا
الى المستفيضة المجوزة له، كحسنة الحلبي (334) و روايات السكوني (335) و ابي جميلة (336) و
علي (337) و موثقة سماعة (338) مع اشعار رواية ابن يونس، و العلة المذكورة في رواية
المكارم. و منها: الادهان، لصحيحة حريز: الجنب يدهن ثم يغتسل؟ قال: «لا» (339) . و منها: الجماع اذا كانت الجنابة من الاحتلام، للمروي في مجالس الصدوق و
الخصال: «و كره ان يغشى الرجل المراة و قد احتلم حتى يغتسل من احتلامه الذي راى،
فان فعل و خرج الولد مجنونا فلا يلومن الا نفسه » (340) . و اما المباحة (341) : فما عدا ما ذكر، للاصل السالم عن المعارض.