فصل
(مراتب الناس في ذكر الموت)
الناس بين منهمك في الدنيا خائض في لذاتها و شهواتها،و بين تائب مبتدئ،و
عارف منتهى. (فالاول):لا يذكر الموت،و ان ذكره فيذكره ليذمه لصده عما يحبه من الدنيا،و هو
الذي يفر منه،و قال الله-تعالى-فيه: «قل ان الموت الذي تفرون منه فانه ملاقيكم...» الآية (1) و هذا يزيده ذكر الموت بعدا من الله،الا اذا استفاد منه التجافي عن الدنيا،و
يتنغص عليه نعيمه،و يتكدر صفو لذته،و حينئذ ينفعه،لان كل ما يكدر على الانسان اللذات
فهو من اسباب نجاته. (و الثاني):يكثر ذكر الموت لينبعث من قلبه الخوف و الخشية،فيفي بتمام التوبة،و
ربما يكرهه خيفة من ان يختطفه قبل الاستعداد و تهيئة الزاد و تمام التوبة،و هو
معذور في كراهة الموت،و لا يدخل تحت قوله-صلى الله عليه و آله-:«من كره لقاء الله كره
الله لقاءه »،لان هذا ليس يكره الموت و لقاء الله،و انما يخاف فوت لقاء الله لقصوره و
تقصيره،و هو الذي يتاخر عن لقاء الحبيب مشتغلا بالاستعداد للقائه على وجه يرضاه،
فلا يعد كارها للقائه.و علامة هذا:ان يكون دائم الاستعداد للموت لا شغل له سواه،و ان
لم يكن مستعدا له عاملا بما ينفعه في الآخرة التحقيق بالاول. (و اما الثالث):فانه يذكر الموت دائما،لانه موعد للقاء حبيبه، و المحب لا ينسى
قط موعد لقاء الحبيب،و هذا في غالب الامر يستبطي ء مجي ء الموت و يحب مجيئه،ليتخلص
من دار العاصين و ينتقل الى جوار رب العالمين، كما روي:«ان حذيفة لما حضرته
الوفاة قال:حبيب جاء على فاقة لا افلح من رده،اللهم ان كنت تعلم ان الفقر احب الي
من الغنى،و السقم احب الي من الصحة،و الموت احب الي من الحياة،فهل على الموت
حتى القاك ». و اعلى رتبة منه:من يفوض امره الى الله،و لا يختار لنفسه شيئا:من الموت او
الحياة،و الفقر و الغنى،و المرض و الصحة،بل يكون احب الاشياء اليه احبها الى
مولاه،و هذا قد انتهى بفرط الحب و الولاء الى درجة التسليم و الرضا،و هو الغاية و
الانتهاء.
تتميم
(المبادرة الى الحسنات)
من علامات قصر الامل و ذكر الموت:المبادرة الى الحسنات و اشتياق الخيرات،
و لذا ورد فيه الترغيب و الحذر عن آفة التاخير،قال رسول الله -صلى الله عليه و
آله-:«اغتنم خمسا قبل خمس:شبابك قبل هرمك، و صحتك قبل سقمك،و غناك قبل فقرك،و فراغك
قبل شغلك،و حياتك قبل موتك »و قال-صلى الله عليه و آله-:«من خاف ادلج و من
دلج بلغ المنزل. الا ان سلعة الله غالية،الا ان سلعة الله الجنة » (2) .و كان-صلى الله عليه و آله-اذا احس
من اصحابه غفلة و فرة،نادى فيهم بصوت عال:«اتتكم المنية،اما بشقاوة او بسعادة »،
و روى:انه ما من صباح و لا ماء الا و مناد ينادي:ايها الناس!الرحيل الرحيل!و قال
بعض الاكابر:التؤدة فى كل شي ء خير،الا في اعمال الآخرة. و منها:
العصيان
و لا ريب في كونه من رذائل قوتي الغضب و الشهوة معا،لان بعض انواعه من رذائل
احداهما من جانب الافراط او التفريط،او من باب رداءتها،و بعض آخر من
انواعه من رذائل الاخرى.و ضده(التقوى و الورع)،و بالمعنى الاعم:اعني الاجتناب
عن مطلق المعصية خوفا من سخط الله،و قد تقدم ما ورد في فضيلتهما،فتذكر. و منها:
الوقاحة
و هو عدم مبالاة النفس،و عدم انفعالها من ارتكاب المحرمات الشرعية و العقلية او
العرفية،و كونه من رداءة قوتي الغضب و الشهوة ظاهر. و ضدها(الحياء)،و هو انحصار النفس و انفعالها من ارتكاب المحرمات الشرعية و
العقلية و العادية حذرا من الذم و اللوم،و هو اعم من التقوى،اذ التقوى اجتناب
المعاصي الشرعية،و الحياء يعم ذلك و اجتناب ما يقبحه العقل و العرف ايضا،فهو من
شرائف الصفات النفسية،و لذا ورد في فضله ما ورد،قال الصادق-عليه السلام-:
«الحياء من الايمان،و الايمان في الجنة ».و قال-عليه السلام-:«الحياء و العفاف و
العي-اعني عي اللسان لا عي القلب-من الايمان ».و قال-عليه السلام-:«الحياء و الايمان
مقرونان في قرن،فاذا ذهب احدهما تبعه صاحبه ».و قال-عليه السلام-: «لا ايمان
لمن لا حياء له ».ثم حقيقة الحياء-كما عرفت-هو الانفعال عن ارتكاب ما يذم شرعا
او عقلا او عرفا،فالانفعال عن غير ذلك حمق، فان الانفعال عن تحقيق احكام الدين
او الخمود عما ينبغي شرعا و عقلا لا يعد حياء بل حمقا.و لذا قال رسول الله-صلى الله
عليه و آله-:«الحياء حياء ان: حياء عقل و حياء حمق،فحياء العقل هو العلم و حياء الحمق هو الجهل » (3) . و منها:
الاصرار على المعصية
رجوع رذيلة الاصرار الى اي القوى و ذمها-ضد الاصرار التوبة و تعريفها-هل يشترط في
التوبة القدرة على الذنب السابق؟-وجوب التوبة-تحقيق في وجوبها-عموم
وجوبها-لا بد من العمل بعدها-فضيلتها- قبولها-طريقة التوبة من المعاصي-تكفير
الصغائر و معنى الكبائر-الصغائر قد تكون كبائر-شروط كمال التوبة-هل يصح التبعيض
فيها؟-اقسام التائبين-مراتب التوبة-عدم الثقة بالاستقامة لا يمنع من
التوبة-علاج الاصرار على الذنوب-الانابة-المحاسبة و المراقبة-المعنى الظاهر
لهما- حاسبوا انفسكم قبل ان تحاسبوا-مقامات مرابطة الفعل للنفس. و هو اما ناشئ من رداءة احدى القوتين و خروجها عن اطاعة العاقلة، او عن
رداءتهما معا،فيكون من رذائل القوتين،و كل ما يدل على ذم مطلق المعصية او على
ذم خصوص افرادها المعينة يدل على ذم الاصرار على المعصية بطريق اولى و اوكد.و
الاخبار الواردة في ذم خصوص افراد المعاصي ربما يظفر بجملة منها في هذا
الكتاب عند ذكر كل معصية،و اما الاخبار الواردة في ذم مطلق الذنب و المعصية
فكثيرة جدا،كقول النبي-صلى الله عليه و آله-:«ما من يوم طلع فجره و لا ليلة غاب
شفقها الا و ملكان يناديان باربعة اصوات،يقول احدهما:يا ليت هذا الخلق لم يخلقوا،و
يقول الآخر: يا ليتهم اذ خلقوا علموا لماذا خلقوا،فيقول الآخر:فيا ليتهم اذ لم يعلموا
لماذا خلقوا عملوا بما علموا،فيقول الآخر:و يا ليتهم اذ لم يعملوا بما علموا
تابوا مما عملوا.و اعلموا ان العبد ليحبس على ذنب من ذنوبه مائة عام،و انه
لينظر الى ازواجه في الجنة يتنعمن ».و قال امير المؤمنين-عليه السلام-: «لا تبدين عن واضحة و قد عمتك الاعمال الفاضحة،و لا تامن البيات و قد عملت
السيئات »او قال الباقر-عليه السلام-:«ان الله قضى قضاء حتما الا ينعم على العبد
بنعمة فيسلبها اياه حتى يحدث العبد ذنبا يستحق بذلك النقمة ». و قال-عليه السلام-:«ما من شي ء افسد للقلب من خطيئته،ان القلب ليواقع الخطيئة،فما
يزال به حتى يغلب عليه،فيصير اعلاه اسفله ».و قال -عليه السلام-:«ان العبد ليذنب
الذنب فيؤوى عنه الرزق ».و قال الصادق-عليه السلام-:«يقول الله-تعالى-:ان ادنى ما
اصنع بالعبد اذا آثر شهوته على طاعتي ان احرمه لذيذ مناجاتي ».و قال-عليه
السلام-: «من هم بسيئة فلا يعملها،فانه ربما عمل العبد السيئة فيراه
الرب-تعالى- فيقول:و عزتي و جلالي!لا اغفر لك بعد ذلك ابدا».و قال(ع):«اما انه ليس
من عرق يضرب،و لا نكبة و لا صداع و لا مرض،الا بذنب، و ذلك قول الله-عز و جل-في كتابه:
«و ما اصابكم من مصيبة فبما كسبت ايديكم و يعفو عن كثير» (4) . قال-عليه السلام-:و ما يعفو الله اكثر مما يؤاخذ به ».و قال(ع): «ان الرجل يذنب الذنب فيحرم صلاة الليل،و ان العمل السي ء اسرع في صاحبه من
السكين في اللحم ».و قال الكاظم-عليه السلام-:«حق على الله الا يعصى في دار الا
اضحاها للشمس حتى يطهرها» (5) . و الاخبار في هذا المعنى اكثر من ان تحصى،و لا يتوهم احد انه يمكن الا يصل
اليه اثر الذنب و وباله،فان هذا محال.فانه لم يتجاوز عن الانبياء في
تركهم الاولى،فكيف يتجاوز عن غيرهم في كبائر المعاصي.نعم،كانت سعادتهم في ان
عوجلوا بالعقوبة و لم يؤخروا الى الآخرة،و الاشقياء يمهلون ليزدادوا اثما،و
يعذبوا في الآخرة عذابا اكبر و اشد،اما سمعت ان اباك آدم قد اخرج من الجنة
بتركه الاولى؟حتى روى:«انه لما اكل الشجرة تطايرت الحلل عن جسده و بدت
عورته،و جاء جبرئيل-عليه السلام-و اخذ التاج من راسه و خلى الاكليل عن جنبيه،و
نودي من فوق العرش:اهبطا من جوارى،فانه لا يجاورني من عصاني،فالتفت ادم
الى حواء باكيا،و قال: هذا اول شؤم المعصية،اخرجنا من جوار الحبيب ».و روى:«انه-تعالى- قال:يا آدم!اي
جار كنت لك؟قال:نعم الجار يا رب!قال:يا آدم!اخرج من جوارى وضع عن راسك تاج
كرامتي،فانه لا يجاورني من عصاني ».و قد روى:«ان آدم بكى على ذنبه مائتي سنة،حتى
قبل الله توبته و تجاوز عما ارتكبه من ترك الاولى ».فان كانت مؤاخذته في نهى
تنزيه مع حبيبه و صفيه هكذا،فكيف معاملته مع الغير في ذنوب لا تحصى.
وصل
(التوبة و تعريفها)
ضد الاصرار(التوبة)،و هي الرجوع من الذنب القولي و الفعلي و الفكري،و بعبارة اخرى:هي
تنزيه القلب عن الذنب و الرجوع من البعد الى القرب،و بعبارة اخرى:ترك المعاصي في
الحال و العزم على تركها في الاستقبال و تدارك ما سبق من التقصير.و كما ان
الاصرار على العصيان من رذائل قوتي الغضب و الشهوة،فالرجوع عنه و تركه من
فضائلهما،بمعنى ان العزم على ترك كل معصية يكون من عمل كليهما او احداهما،و من فعل
النفس باعانتهما و انقيادهما للعاقلة،و ان كان الباعث على الرجوع و تهيج النفس و
القوتين على مباشرة الرجوع و الترك هو معرفة عظم ضرر الذنوب،و كونها حجابا
بين العبد و بين المحبوب،و يمكن ان يقال:ان التوبة هو الرجوع عن الذنب،و هو
من ثمرات الخوف و الحب.فان مقتضى الحب ان يمتثل مراد المحبوب و لا يعصى في
شي ء مما يريده و يطلب من المحب،فتكون من فضائل القوتين ايضا.و يمكن ان يقال:ان
التوبة عبارة عن مجموع العلم بضرر الذنوب،و كونها حجابا بينه و بين الله،و
الندم الحاصل منه،و القصد المتعلق بالترك حالا و استقبالا،و التلافي للماضي و
الندم،و القصد بالترك و التلافي من فعل القوتين او فعل النفس بوساطة القوتين و
انقيادهما للعاقلة،و العلم المذكور من العاقلة،فتكون التوبة من فضائل القوى
الثلاث. و توضيح حقيقة التوبة:انه اذا علم العبد علما يقينيا ان ما صدر عنه من الذنوب حائلة
بينه و بين محابه.ثار من هذا العلم تالم القلب بسبب فوات المحبوب،و صار
متاسفا على ما صدر عنه من الذنوب،سواء كانت افعالا او تروكا للطاعات،و يسمى
تالمه-بسبب فعله او تركه المفوت لمحبوبه-ندما. و اذا غلب هذا الندم على القلب،انبعثت منه حالة اخرى تسمى ارادة و قصدا الى فعل
له تعلق بالحال بترك الذنب الذي كان ملابسا له،و بالاستقبال بعزمه على ترك
الذنب المفوت لمحبوبه الى آخر عمره،و بالماضي بتلافيه ما فات بالجبر و
القضاء.فالعلم-اعني اليقين بكون الذنوب سموما مهلكة-هو الاول، و هو مطلع البواقي،
اذ مهما اشرق نور هذا اليقين على القلب اثمر نار الندم على الذنب،فيتالم به
القلب،حيث ينظر باشراق نور الايمان و اليقين انه صار محجوبا عن محبوبه،كمن
يشرق عليه نور الشمس و قد كان في ظلمة،فيسطع النور عليه بانقشاع سحاب او انحسار
حجاب،فيرى محبوبه قد اشرف على الهلاك،فتشتعل نيران الحب في قلبه،و تنبعث بتلك
النيران ارادته للانتهاض للتدارك.فالعلم،و الندم،و القصد المتعلق بالترك في
الحال و الاستقبال و التلافي للماضي:ثلاثة معان مترتبة في الحصول،يطلق
اسم(التوبة)على مجموعها.و ربما اطلقت التوبة على مجرد الندم،و جعل العلم
كالسابق و المقدمة، و الترك كالثمرة و التابع للمتاخر،و الى هذا الاعتبار
يشير قوله-صلى الله عليه و آله-:«الندم توبة ».اذ لا يخلو الندم عن علم اوجبه و
اثمره،او عن عزم يتبعه و يتلوه،فيكون الندم محفوفا بطرفيه،اعني ثمرته و
مثمره.و بهذا الاعتبار قيل فى حدها:انها ذوبان الحشا لما سبق من الخطا،او
نار في القلب تلتهب و صدع في الكبد لا ينشعب،و ربما اطلقت على مجرد ترك الذنوب حالا
و العزم على تركها استقبالا،و بهذا الاعتبار قيل في حدها:انها خلع لباس الجفاء
و نشر بساط الوفاء،و انها تبديل الحركات المذمومة بالحركات المحمودة، او
انها ترك اختيار الذنب حالا و توطين القلب و تجريد العزم على عدم العود
استقبالا.و على هذا لا يكون الندم داخلا في حقيقة التوبة،و قد صرح بعض الاعاظم بخروجه
عنها،محنجا بان الندم-و هو تالم القلب و حزنه على الذنب-غير مقدور،و لذا ترى تقع
الندامة على امور في قلبه و هو يريد الا يكون ذلك فلا يكون الندم مقدورا،و انما
المقدور تحصيل اسبابه،اعني الايمان و العلم بفوات المحبوب و تحقيقهما في قلبه.و
على هذا فلا يكون الندم من التوبة،اذ التوبة مقدورة للعبد و مامور بها،فاللازم
فيها التندم دون الندم.و غير خفي بان الندم كغيره من صفات النفس،فان امكن
ازالة الصفات النفسية و كسبها فالندم كذلك،و الا لزم بطلان علم الاخلاق
بالكلية، و ايضا اذا امكن تحصيل سبب الندامة-اعني العلم بفوات المحبوب-لزم
ترتب المسبب-اعني الندامة عليه-فما معنى عدم كونه مقدورا،فالندامة في الازالة و
التحصيل لا يكون اصعب من كثير من الاخلاق النفسية.و بعضهم يعد ما عدا التندم من
شرائط التوبة،قال:«و اما الندم-اعني تالم القلب على الذنب الذي هو روح
التوبة-فغير مقدور،و هو التوبة حقيقة،و انما المقدور تحصيل اسبابه من العلم و
الايمان و تحقيقهما في قلبه »انتهى.و فيه مالا يخفى بعلاوة ما سبق،قال الصادق-عليه
السلام-:«التوبة حبل الله و مدد عنايته،و لا بد للعبد من مداومة التوبة على كل حال،
و كل فرقة من العباد لهم توبة،فتوبة الانبياء من اضطراب السر و توبة الاولياء
من تلوين الخطرات، و توبة الاصفياء من التنفيس،و توبة الخاص من الاشتغال بغير
الله،و توبة العالم من الذنوب،و لكل واحد منهم معرفة و علم في اصول توبته و منتهى
امره،و ذلك يطول شرحه هنا. و اما توبة العام،فان يغسل باطنه من الذنوب بماء الحسرة،و الاعتراف
بجنايته دائما،و اعتقاد الندم على ما مضى،و الخوف على ما بقى من عمره، و لا
يستصغر ذنوبه فيحمله ذلك الى الكسل،و يديم البكاء و الاسف على ما فاته من
طاعة الله،و يحبس نفسه عن الشهوات،و يستغيث الى الله-تعالى- ليحفظه على وفاء
توبته و يعصمه عن العود الى ما سلف،و يروض نفسه في ميدان الجهاد و العبادة،و
يقضي عن الفوائت من الفرائض،و يرد المظالم، و يعتزل قرناء السوء،و يسهر ليله و
يظما نهاره،و يتفكر دائما في عاقبته، و يستعين بالله سائلا منه الاستقامة في سرائه
و ضرائه،و يثبت عند المحن و البلاء كيلا يسقط عن درجة التوابين،فان في ذلك
طهارة من ذنوبه، و زيادة في عمله،و رفعة في درجاته.قال الله-عز و جل-: «فليعلمن
الله الذين صدقوا و ليعلمن الكاذبين » (6) » (7) .
تتمة
(هل يشترط في التوبة القدرة على الذنب السابق؟)
التوبة انما تكون عن ذنب سبق مثله،(اما) (8) ترك ذنب لم يسبق مثله حالا و العزم
على تركه استقبالا لا يسمى توبة،بل يسمى تقوى،و يسمى صاحبه متقيا لا تائبا،و
لذا يصح القول بان النبي-صلى الله عليه و آله-كان متقيا عن الكفر،و لا يصح القول
بانه كان تائبا عنه،ثم المراد بالمثل السابق اعم من ان يكون مثلا في الصورة
او المنزلة،فالشيخ الهم الذي سبق منه الزنا و قطع الطريق،و لم يقدر الساعة على
فعلهما،اذا اراد التوبة عنهما ينبغي ان يتوب عما يماثلهما منزلة و درجة،كالقذف
و السرقة و امثالهما،اذ لا معنى للتوبة عما يماثلهما صورة-اعني نفس الزنا و قطع
الطريق-مع عدم قدرته عليهما،و لو لم يكن التوبة عما يماثل الشي ء في المنزلة و
الدرجة توبة عن هذا الشي ء،لزم ان يكون باب التوبة مسدودا بالنسبة الى مثل الشيخ
الهم و كل من صدر منه معصية و الآن لا يقدر عليها،و هو باطل،لانفتاح باب التوبة الى
الموت،و لما ذكر،قال بعض المشايخ في حد التوبة:«انها ترك اختيار ذنب سبق مثله
منزلة لا صورة،تعظيما لله و حذرا من سخطه ».فقوله: «سبق مثله »احتراز عن ترك ذنب لم يسبق مثله،فانه لا يسمى توبة بل تقوى،و قوله:
«منزلة لا صورة »لادخال التوبة عما سبق و لا يقدر الآن على فعله،و على هذا فتوبة العنين
عن النظر و اللمس و امثال ذلك يكون توبة عن الزنا الذي قارفه قبل طريان العنة،و
الظاهر ان بناء ذلك على دلالة توبته عما يقدر عليه الآن،على انه لو كان قادرا على
الزنا لتركه ايضا، لاشعاره بان توبته صدرت عن معرفة و يقين بضرر الزنا الذي
قارفه قبل طريان العنة،فلو كان قادرا عليه لتركه ايضا. قال ابو حامد الغزالي:«ان قلت:هل تصح توبة العنين من الزنا الذي قارفه قبل طريان
العنة؟قلت:لا!لان التوبة عبارة عن ندم يبعث العزم على الترك فيما يقدر على فعله و
ما لا يقدر على فعله،فقد انعدم بنفسه لا بتركه اياه »،ثم قال:«و لكني اقول:لو طرا عليه
بعد العنة كشف و معرفة تحقق به ضرر الزنا الذي قارفه، و ثار منه احتراق و تحسر و ندم،
بحيث لو كانت شهوة الوقاع باقية لكانت حرقة الندم تقمع تلك الشهوة و تغلبها، فاني
ارجو ان يكون ذلك مكفرا لذنبه و مباحا عنه سيئته، اذ لا خلاف في انه لو تاب قبل
طريان العنة و مات عقيب التوبة كان من التائبين و ان لم تطرا عليه حالة
تتهيج فيها الشهوة و تتيسر اسباب قضاء الشهوة، و لكنه تائب باعتبار ان ندمه
بلغ مبلغا اوجب صرف قصده عن الزنا لو ظهر قصده، فاذن لا يستحيل ان تبلغ قوة
الندم في حق العنين هذا المبلغ الا انه لا يعرفه من نفسه، فان كل من لا يشتهي
شيئا يقدر نفسه قادرا على تركه بادنى خوف، و الله مطلع على ضميره و على مقدار ندمه،
فعساه يقبله منه، بل الظاهر انه يقبله. و الحقيقة في هذا كله ترجع الى ان ظلمة
المعصية تنمحي عن القلب بشيئين: -احدهما-حرقة الندم، و-الآخر-شدة المجاهدة بالترك في
المستقبل، و قد امتنعت المجاهدة بزوال الشهوة، و لكن ليس محالا ان يقوى الندم
بحيث يقوى على محوها دون المجاهدة، و لو لا هذا لقلنا: ان التوبة لا تقبل ما لم يعش
التائب بعد التوبة مدة يجاهد نفسه في عين تلك الشهوة مرات كثيرة، و ذلك مما
يدل ظاهر الشرع على اشتراطه » .
فصل
(وجوب التوبة)
التوبة عن الذنوب باسرها واجبة، بالاجماع، و النقل، و العقل: اما الاجماع-فلا ريب في انعقاده. و اما النقل-فكقوله-تعالى-: «و توبوا الى الله
جميعا ايها المؤمنون لعلكم تفلحون » (9) . و قوله-تعالى-: «يايها الذين آمنوا توبوا
الى الله توبة نصوحا عسى ربكم ان يكفر عنكم سيئاتكم » (10) . و معنى النصوح: الخالص لله خاليا عن شوائب الاغراض، من مال او جاه او خوف من
سلطان او عدم اسباب، و الامر للوجوب، فتكون التوبة واجبة بمقتضى الآيتين. و اما العقل-فهو ان من علم معنى الوجوب و معنى التوبة فلا يشك في ثبوته لها.
(بيان ذلك) : ان معنى الواجب و حقيقته هو ما يتوقف عليه الوصول الى سعادة الابد و
النجاة من هلاك السرمد، و لو لا تعلق السعادة و الشقاوة بفعل الشي ء و تركه لم يكن معنى
لوجوبه، فالواجب ما هو وسيلة و ذريعة الى سعادة الابد. و لا ريب في انه لا سعادة
في دار البقاء الا في لقاء الله و الانس به، فكل من كان محجوبا عن اللقاء و
الوصال محروما عن مشاهدة الجلال و الجمال، فهو شقي لا محالة، محترق بنار الفراق
و نار جهنم، ثم لا مبعد عن لقاء الله الا اتباع الشهوات النفسية و الغضب و الانس
بهذا العالم الفاني، و الاكباب على حب ما لا بد من مفارقته قطعا، و يعبر عن ذلك
بالذنوب. و لا مقرب من لقاء الله الا قطع علاقة القلب من زخرف هذا العالم، و الاقبال بالكلية
على الله، طلبا للانس به بدوام الذكر، و المحبة له بدوام الفكر في عظمته و جلاله
و جماله على قدر طاقته، و لا ريب في ان الانصراف عن طريق البعد الذي هو الشقاوة
واجب للوصول الى القرب الذي هو السعادة، و لا يتم ذلك الا بالتوبة التي عبارة
عن العلم و الندم و العزم، و لا يتم الواجب الا به، فهو واجب، فالتوبة واجبة
قطعا.
تذنيب
(تحقيق فى وجوب التوبة)
كيف لا تكون التوبة عن المعاصي واجبة، مع ان العلم بضرورة المعاصي و كونها مهلكة
من اجزاء الايمان و وجوب الايمان و مما لا ريب فيه، و العالم بهذا العلم اذا
لم يعمل به فكما لا يعلمه او ينكره فلا يكون له هذا الجزء من الايمان، لان كل علم يراد
ليكون باعثا على العمل، فلا يقع التفصي عن عهدته ما لم يصير باعثا، فالعلم بضرر
الذنوب انما اريد ليكون باعثا على تركها، فمن لم يتركها فهو فاقد لهذا
الجزء من الايمان، و هو المراد بقول النبي -صلى الله عليه و آله-: «لا يزني الزاني
حين يزني و هو مؤمن » ، و ما اراد به نفي الايمان بالله و وحدانيته و صفاته و كتبه
و رسله، فان ذلك لا ينافي الزنا و المعاصي، و انما اراد به نفي الايمان بالله لكون
الزنا مبعدا عن الله و موجبا لسخطه، و ليس الايمان بابا واحدا، بل هو-كما
ورد-نيف و سبعون بابا، اعلاها الشهادتان و ادناها اماطة الاذى عن الطريق، و
مثاله قول القائل: ليس الانسان موجودا واحدا، بل هو نيف و سبعون موجودا، اعلاها
الروح و القلب و ادناها اماطة الاذى عن البشرة، بان يكون مقصوص الشارب مقلوم
الاظفار نقي البشرة عن الخبث، حتى يتميز عن البهائم المرسلة المتلوثة
بارواثها، المستكرهة الصور بطول مخالبها و اظفارها، فالايمان كالانسان، و
فقد الشهادتين كفقد الروح الذي يوجب البطلان بالكلية، و الذي ليس له الا شهادة
التوحيد و الرسالة و يترك سائر اجزائه من الاعمال، فهو كانسان مقطوع الاطراف
مقفوء العينين، فاقد لجميع اعضائه الظاهرة و الباطنة، الا اصل الروح. و كما ان من
هذا حاله قريب من الموت و مزايلة الروح الضعيفة المنفردة التي تخلفت عنها الاعضاء
التي تمدها و تقويها، فكذلك من ليس له الا اصل الايمان و هو مقصر في الاعمال،
قريب من ان تنقلع شجرة ايمانه اذا صدمتها الرياح العاصفة المحركة للايمان في
مقدمة قدوم ملك الموت و وروده، فكل ايمان لم يثبت في النفس اصله و لم تنتشر في
الاعمال فروعه، لم يثبت على عواصف الاهوال عند ظهور ناصية ملك الموت و خيف
عليه سوء الخاتمة، فالمحجوب عن الايمان الذي هو شعب و فروع سيحجب في الخاتمة
عن الايمان الذى هو اصل، كما ان الشخص الفاقد لجميع الاطراف التي هي فروع ليساق
الى الموت المعدم للروح التي هي اصل، فلا بقاء للاصل دون الفرع، و لا وجود للفرع دون
الاصل، و لا فرق بين الاصل و الفرع الا في شي ء واحد، و هو ان وجود الفرع و بقاءه جميعا
يستدعى وجود الاصل، و اما وجود الاصل فلا يستدعي وجود الفرع، و لكن بقاءه يستدعي
وجود الفرع، فبقاء الاصل بالفرع و وجود الفرع بالاصل، فمساواة العاصي و المطيع
في اسم المؤمن كمساواة شجرة القرع و شجرة الصنوبر في اسم الشجرة، و انما يظهر
الفرق اذا عصفت الرياح القوية، فعند ذلك تنقطع اصول شجرة القرع و تتناثر اوراقها،
و تبقى شجرة الصنوبر ثابتة على اصلها و فرعها. و مثل العاصي الذي لا يخاف الخلود
فى النار لاجل معصيته اتكالا على ايمانه بالتوحيد و الرسالة، كمثل الصحيح الذي
ياكل الاغذية المضرة و السمومات و لا يخاف الموت اتكالا على صحته، فكما يؤدي
صحة هذا الصحيح بتناوله السمومات و الاغذية الى المرض و المرض الى الموت،
فكذلك تؤدى ذنوب العاصي الى سوء الخاتمة و سوء الخاتمة الى الخلود فى النار،
فالمعاصي للايمان كالسمومات و الماكولات المضرة للابدان، فكما ان مضرة
السمومات لا تزال تجتمع في الباطن حتى تغير مزاج الاخلاط و هو لا يشعر بها
الى ان يفسد المزاج فيمرض دفعة ثم يموت دفعة، فكذلك آثار المعاصي لا تزال
تتراكم في النفس حتى يفسد مزاجها فيسلب عنها اصل الايمان، فالخائف من الموت
في هذه النشاة القصيرة اذا وجب عليه ترك السموم و ما يضره من الماكولات،
فالخائف من هلاك الابد اولى بان يجب عليه ترك الذنوب، و من تناول السم و ندم
اذا وجب عليه ان يتقيا و يرجع عن تناوله باخراجه عن المعدة، فمتناول سموم
الايمان و هي الذنوب اولى بان يجب عليه الرجوع عنها بالتدارك الممكن ما دام
مهلة التدارك. فالبدار البدار معاشر اخواني الى التوبة! قبل ان تعمل سموم الذنوب بروح
ايمانكم عملا لا ينفع بعده الاحتماء، و يخرج الامر فيه عن ايدى اطباء القلوب، فلا
ينفع حينئذ وعظ الواعظين و نصح الناصحين، و تحق عليكم كلمة العذاب، و تدخلون تحت
عموم قوله-تعالى-: «و جعلنا من بين ايديهم سدا و من خلفهم سدا فاغشيناهم فهم لا يبصرون » (11) . و قوله
تعالى: «ختم الله على قلوبهم و على سمعهم و على ابصارهم غشاوة » (12) و غير ذلك من الآيات. ثم مقتضى الادلة المذكورة: كون التوبة واجبة على الفور، فيجب على كل مسلم ان
يتوب عن ذنوبه فورا، و لا يجوز له التاخير. قال لقمان لابنه: «يا بني! لا تؤخر التوبة، فان الموت ياتي بغتة » . و من ترك المبادرة الى التوبة
بالتسويف كان بين خطرين عظيمين: -احدهما-ان تتراكم الظلمة على قلبه من
المعاصي حتى يصير دينا و طبعا فلا يقبل المحو. -و الثاني-ان يعاجله المرض او
الموت فلا يجد مهلة للاشتغال بالمحو. و لذلك ورد: ان اكثر صياح اهل النار من
التسويف، فما هلك من هلك الا بالتسويف.
فصل
(عموم وجوب التوبة)
وجوب التوبة يعم الاشخاص و الاحوال، فلا ينبغي ان ينفك عنه احد في حالة، قال
الله-تعالى-: «و توبوا الى الله جميعا» (13) و هو يعم الكل في الكل. و مما يدل على وجوبها على الكل: ان كل فرد من افراد الناس
اذا بلغ سن التمييز و التكليف قام القتال و النزاع في مملكة بدنه، بين الشهوات
جنود الشياطين، و بين العقول احزاب الملائكة، اذ لا تكمل غريزة العقل فى احد الا بعد
كمال غريزة الشهوة و الغضب و سائر الصفات المذمومة، و اذا قام القتال بينهما
لا بد بحكم العقل و الشرع ان يغلب جنود الله على جنود الشيطان، بقمعها بكسر الشهوات،
و رد النفس على سبيل القهر و الغلبة على الصفات المحمودة و العبادات، و لا معنى
لوجوب التوبة الا هذا. و مما يدل على وجوبها على الدوام و في كل حال هو ان كل عبد
لا يخلو عن معصية بجوارحه، فان خلا في بعض الاحوال عن معصية الجوارح فلا يخلو عن
رذائل النفس و الهم بالذنوب بالقلب، فان خلا عن ذلك ايضا فلا يخلو عن وسوسة
الشيطان بايراد الخواطر المتفرقة المذهلة عن ذكر الله، فان خلا عنه فلا يخلو عن
غفلة و قصور في العلم بالله و بصفاته و آثاره، و كل ذلك نقص يجب الرجوع عنه و هو معنى
التوبة. و لعدم خلو احد من الخلق من نوع هذا النقص و اصله في حالة، و ان تفاوتوا في
المقادير، يلزم وجوب التوبة على كل عبد في كل حالة، و لو خلا عن التوبة عن جميع
الذنوب في لحظة و اختطفه الموت، لزم خروج روحه بلا توبة، لعدم انفكاكه قبل موته
و لو بلحظة عن فرد من المعاصي المذكورة، فالتوبة واجبة على كل عبد سالك في كل نفس
من انفاسه، قال بعض العرفاء (14) : «لو لم يبك العاقل فيما بقى من عمره الا على فوت
ما مضى من عمره في غير طاعة الله، لكان حقيقا ان يخزيه (15) ذلك الى الممات، فكيف
من يستقبل ما بقى من عمره بمثل ما مضى من جهله » . و من عرف قدر العمر و فائدته، و
ما يكتسب به من سعادة الابد، يعلم ان ما يضيع منه في المعصية و غير التوبة اى
حسرة و ندامة يترتب عليه، فان العاقل اذا ملك جوهرة نفيسة، فان ضاعت منه بغير
فائدة بكى عليها لا محالة، و ان ضاعت منه و صار ضياعها سبب هلاكه كان بكاؤه منه اشد،
و كل نفس من العمر جوهرة نفيسة لا عوض لها، لا يصالها العبد الى سعادة الابد و
انقاذها اياه من شقاوة السرمد، و اى جوهر انفس من هذا، فمن ضيعها في الغفلة خسر
خسرانا مبينا، و من صرفها في معصية فقد هلك هلاكا ابديا. و قد قيل: ان
لله-تعالى-الى عبده سرين يسرهما اليه على سبيل الالهام. -احدهما-اذا خرج من
بطن امه يقول له: عبدى! قد اخرجتك الى الدنيا طاهرا لطيفا، و استودعتك عمرك و
ائتمنتك عليه، فانظر كيف تحفظ الامانة، و انظر كيف تلقانى. -و الثانى-عند خروج
روحه يقول: عبدي! ماذا صنعت في امانتي عندك، هل حفظتها حتى تلقاني على العهد فالقاك
على الوفاء؟ او اضعتها فالقاك بالمطالبة و العقاب؟ . و اليه الاشارة
بقوله-تعالى-: «اوفوا بعهدي اوف بعهدكم » (16) . و بقوله-تعالى-: «و الذين هم
لاماناتهم و عهدهم راعون » (17) . و قد روى: ان ملك الموت اذا ظهر للعبد عند موته اعلمه انه قد بقى من عمرك ساعة لا
تستاخر عنها طرفة عين، فيبدو للعبد من الحزن و الحرة و الاسف ما لو كانت له
الدنيا بحذافيرها لاعطاها بدل ان يضم الى تلك الساعة ساعة اخرى ليتدارك
فيها تفريطه، و لا يجد اليها سبيلا، و قد روى-ايضا-: انه اذا كشف الغطاء للعبد قال لملك الموت: اخرنى يوما اعتذر فيه الى ربي و
اتوب، و اتزود صالحا لنفسى، فيقول: فنيت الايام فلا يوم، فيقول: اخرني ساعة، فيقول: فنيت الساعات فلا ساعة، فيغلق عليه باب التوبة، فيغرغر
بروحه، و تتردد انفاسه في شراسيفه، و يتجرع غصة الياس عن التدارك، و حسرة الندامة
على تضييع العمر، فيضطرب اصل ايمانه في صدمات تلك الاهوال، فاذا زهقت نفسه،
فان سبقت له من الله الحسنى خرجت روحه على التوحيد، و ذلك حسن الخاتمة، و ان
سبق له القضاء بالشقوة -و العياذ بالله-خرجت روحه على الشك و الاضطراب، و ذلك
سوء الخاتمة.
تذنيب
التوبة عن بعض المعاصي المذكورة-اعني المحرمات و ترك الواجبات- واجب بفتوى
الشرع، بمعنى ان التارك لهذه التوبة و المرتكب لهذه المعاصى يكون معذبا بالنار، و
هذا الوجوب يشترك فيه كافة الخلق، و تكليف الجميع به لا يوجب فسادا في النظام
الكلى. و اما التوبة عن بعض آخر منها، كالخواطر و الهمم الطارية على القلب و
القصور عن معرفة كنه جلال الله و عظمته و امثال ذلك، فليس واجبا بهذا المعنى،
لمنافاته انتظام العالم. اذ لو كلف الخلق كلهم ان يتقوا الله حق تقاته،
لتركوا المعائش و رفضوا الدنيا بالكلية، و ذلك يؤدي الى بطلان التقوى راسا،
لانه ان فسدت المعايش لم يتفرغ احد للتقوى. فالتوبة عن كل ما هو المرجوح ليست
واجبة بهذا الاعتبار، بل هي واجبة بمعنى آخر، و هو ما لا بد منه للوصول به الى غاية
القرب الى الله، و الى المقام المحمود و الدرجات العالية، فمن رضى باصل
النجاة و قفع به لم تكن هذه التوبة واجبة عليه، و من طلب الوصول الى ما ذكر
وجبت عليه هذه التوبة وجوبا شرطيا، بمعنى توقف مطلوبه عليه، كما جرت عليه
طوائف الانبياء و الاولياء و اكابر العرفاء و العلماء، و لاجله رفضوا لذات
الدنيا بالكلية. و على هذا فما ورد من استغفار الانبياء و الاوصياء و توبتهم
انما هو من ترك دوام الذكر و غفلتهم عن مقام الشهود و الاستغراق لاجل
اشتغالهم بالمباحات، لا عن ذنوب كذنوبنا، لتعاليهم و تقدسهم عن ذلك. قال
الصادق -عليه السلام-: «ان رسول الله-صلى الله عليه و آله-كان يتوب الى الله و
يستغفره في كل يوم و ليلة مائة مرة من غير ذنب، ان الله-تعالى-يخص اولياءه
بالمصائب، و لياجرهم عليها من غير ذنب كذنوبنا، فان ذنب كل احد انما هو بحسب
قدره و منزلته عند الله » . و بمضمونه اخبار اخر.
فصل
(لا بد من العمل بعد التوبة)
لا يكفي في تدارك الشهوات و التوبة عن الذنوب مجرد تركها في المستقبل، بل لا بد
من محو آثارها التي انطبعت في جوهر النفس بنور الطاعات، اذ كل شهوة و معصية
صدرت من الانسان ارتفعت منها ظلمة الى قلبه، كما ترتفع من نفس الانسان ظلمة الى
وجه المرآة الصقيلة، فان تراكمت ظلمة الشهوات و المعاصي صارت رينا، كما يصير
بخار النفس في وجه المرآة عند تراكمه خبثا، كما قال-تعالى-: «كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون » (18) فاذا تراكم الرين صار طبعا، فيطبع على قلبه، كما ان الخبث في وجه المرآة
اذا تراكم و طال زمانه غاص في جرم الحديد و افسده، و صار بحيث لا يقبل التصقيل
بعده، فالتائب من الذنوب لا بد له من محو تلك الآثار التي انطبعت منها في نفسه،
و لا يكفي مجرد تركها في المستقبل، كما لا يكفى في تصقيل المرآة و ظهور الصور
فيها قطع الانفاس و البخارات المسودة لوجهها في المستقبل، ما لم يشتغل بمحو
ما انطبع فيها من الآثار، و كما ترتفع الى النفس ظلمة من المعاصي و الشهوات
فتظلمها، فكذلك يرتفع نور من الطاعات و ترك الشهوات فينورها، و لهذا النور
تنمحي ظلمة المعاصي و الشهوات، و اليه الاشارة بقوله-صلى الله عليه و آله-: «اتبع
السيئة الحسنة تمحها» . فاذن لا يستغني العبد في حال من احواله من محو آثار
السيئات عن قلبه بمباشرة حسنات تضاد آثارها آثار تلك السيئات، بمعنى ان
تكون الحسنة التي ترتكب لمحو السيئة مناسبة لتلك السيئة، لقوله-صلى الله عليه و
آله-: «اتق الله حيث كنت » : و لان المرض يعالج بضده، فكل ظلمة ارتفعت الى القلب، فلا
يمحوها الا نور يرتفع اليه من حسنة تضادها، اذ الضد انما يرتفع بالضد، فيكفر
سماع الملاهي بسماع القرآن و بحضور مجالس الذكر، و يكفر القعود في المسجد جنبا
بالعبادة فيه، و يكفر مس المصحف محدثا باكرامه و تقبيله و كثرة قراءته، و يكفر
شرب الخمر بالتصدق لكل شراب حلال هو احب اليه. . . الى غير ذلك. و ليس ذلك-اي ايقاع
المناسبة-شرطا في المحو، فقد روى: «ان رجلا قال لرسول الله-صلى الله عليه و آله-:
اني عالجت امراة فاصبت منها كل شي ء الا المسيس، فاقض علي بحكم الله، فقال: اما
صليت معنا؟ قال: بلى! فقال: ان الحسنات يذهبن السيئات » . و ينبغي ان تكون التوبة عن قرب عهد بالخطيئة، بان يتندم عليها و يمحو آثارها قبل
ان يتراكم الرين على القلب فلا يقبل المحو، قال الله-تعالى-: «انما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب » (19) . اي عن
قرب عهد بعمل السوء. و قال: «و ليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى اذا حضر
احدهم الموت قال اني تبت الان » (20) . قال الصادق-عليه السلام-: «ذلك اذا عاين امر الآخرة » . و قد ورد مثله عن رسول
الله-صلى الله عليه و آله-ايضا.
فصل
(فضيلة التوبة)
اعلم ان التوبة اول مقامات الدين، و راس مال السالكين، و مفتاح استقامة
السائلين، و مطلع التقرب الى رب العالمين، و مدحها عظيم، و فضلها جسيم، قال
الله-تعالى-: «ان الله يحب التوابين و يحب المتطهرين » (21) و قال رسول الله-صلى الله عليه و آله-: «التائب حبيب الله، و التائب من الذنب
كمن لا ذنب له » . و قال الباقر-عليه السلام-: «ان الله-تعالى- اشد فرحا بتوبة
عبده من رجل اضل راحلته و زاده في ليلة ظلماء فوجدها، فالله اشد فرحا بتوبة عبده
من ذلك الرجل براحلته حين وجدها» . و قال -عليه السلام-: «التائب من الذنب كمن
لا ذنب له، و المقيم على الذنب و هو مستغفر منه كالمستهزئ » . و قال الصادق-عليه
السلام-: «ان الله يحب من عباده المفتن التواب » : يعني كثير الذنب كثير
التوبة. و قال-عليه السلام-: «اذا تاب العبد توبة نصوحا، احبه الله فستر عليه » فقلت: و كيف يستر عليه؟ قال: «ينسى ملكيه ما كانا يكتبان عليه، و يوحى الى جوارحه و الى بقاع الارض ان
اكتمي عليه ذنوبه، فيلقى الله-عز و جل-حين يلقاه و ليس شى ء يشهد عليه بشي ء من الذنوب » .
و قال الصادق-عليه السلام-: «ان الله -عز و جل-اعطى التائبين ثلاث خصال لو
اعطي خصلة منها جميع اهل السماوات و الارض لنجوا بها: قوله-عز و جل-: «ان الله يحب التوابين. . . » الى آخره (22) ، و قوله: «الذين يحملون العرش و من حوله يسبحون بحمد ربهم و يؤمنون به و يستغفرون للذين
آمنوا ربنا وسعت كل شي ء رحمة و علما فاغفر للذين تابوا-الى قوله-و ذلك هو الفوز
العظيم » (23) . و قوله: «و الذين لا يدعون مع الله الها آخر و لا يقتلون النفس التي حرم الله الا
بالحق و لا يزنون و من يفعل ذلك يلق اثاما، يضاعف له العذاب يوم القيامة و يخلد
فيه مهانا، الا من تاب و آمن-الى قوله- و كان الله غفورا رحيما» (24) . و قال ابو الحسن-عليهما السلام-: «احب العباد الى الله المنيبون التوابون » .
فصل
(قبول التوبة)
التوبة المستجمعة لشرائطها مقبولة بالاجماع، و يدل عليه قوله-تعالى-: «هو الذي يقبل التوبة عن عباده » (25) . و قوله -تعالى-: «غافر الذنب و قابل التوب » (26) .
و قوله -تعالى-: «و من يعمل سوا او يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما»
(27) . و قول النبي-صلى الله عليه و آله-: «ان الله-تعالى-يبسط يده بالتوبة لمسى ء الليل
الى النهار و لمسى ء النهار الى الليل حتى تطلع الشمس من مغربها» ، و بسط اليد
كناية عن طلب التوبة، و طالب التوبة يقبله البتة. و قوله-صلى الله عليه و آله-: «ان الحسنات يذهبن السيئات، كما يذهب الماء
الوسخ » . و قوله-صلى الله عليه و آله-: «لو عملتم الخطايا حتى تبلغ السماء ثم
ندمتم، لتاب الله عليكم » . و قوله-صلى الله عليه و آله-: «ان العبد ليذنب الذنب
فيدخل في الجنة » . قبل: كيف يا رسول الله؟ ! قال: «يكون نصب عينيه تائبا منه فارا
حتى يدخل الجنة » . و قوله-صلى الله عليه و آله-: «كفارة الذنب الندامة » . و قوله-صلى الله عليه و آله-: «من تاب قبل موته بسنة قبل
الله توبته. ثم قال: ان السنة لكثير، من تاب قبل موته بشهر قبل الله توبته. ثم
قال: ان الشهر لكثير، من تاب قبل موته بجمعة قبل الله توبته. ثم قال: ان الجمعة
لكثير، من تاب قبل موته بيوم قبل الله توبته. ثم قال: ان يوما لكثير، من تاب قبل ان يعابن ملك الموت قبل الله توبته » و قال الباقر-عليه السلام-لمحمد بن مسلم: «ذنوب المؤمن اذا تاب منها مغفورة
له، فليعمل المؤمن لما يستانف بعد التوبة و المغفرة، اما و الله انها ليست الا
لاهل الايمان » . فقال له: فان عاد بعد التوبة و الاستغفار من الذنوب، و عاد في
التوبة؟ قال: «يا محمد بن مسلم! اترى العبد المؤمن يندم على ذنبه و يستغفر منه و
يتوب ثم لا يقبل الله توبته؟ » ، قال: فانه فعل ذلك مرارا، يذنب ثم يتوب و
يستغفر، فقال: «كلما عاد المؤمن بالاستغفار و التوبة عاد الله عليه بالمغفرة، و
ان الله غفور رحيم يقبل التوبة و يعفو عن السيئات، فاياك ان تقنط المؤمن من رحمة
الله » . و قوله-عليه السلام-: «اذا بلغت النفس هذه-و اهوى بيده الى حلقه-لم تكن
المعالم توبة، و كانت للجاهل توبة » . و قوله-عليه السلام-: «ان آدم-صلى الله عليه-قال: يا رب! سلطت علي الشيطان، و
اجريته منى مجرى الدم، فاجعل لى شيئا، فقال: يا آدم! جعلت لك: ان من هم من
ذريتك بسيئة لم تكتب عليه، فان عملها كتبت عليه سيئة و من هم منهم بحسنة، فان لم
يعملها كتبت له حسنة، فان هو عملها كتبت له عشرا، قال: يا رب! زدني، قال: جعلت لك:
ان من عمل منهم سيئة ثم استغفر غفرت له، قال: يا رب! زدني، قال: جعلت لهم التوبة، و
بسطت لهم التوبة حتى تبلغ النفس هذه، قال: يا رب! حسبي » و قول الصادق-عليه
السلام-: «ان الرجل ليذنب الذنب فيدخله الله به الجنة » ، قيل: يدخله الله بالذنب
الجنة؟ قال: «نعم! انه ليذنب فلا يزال منه خائفا ماقتا لنفسه، فيرحمه الله فيدخله
الجنة » . و قوله-عليه السلام-: «العبد المؤمن اذا ذنب ذنبا اجله الله سبع
ساعات، فان استغفر الله لم يكتب عليه شي ء، و ان مضت الساعات و لم يستغفر كتبت
عليه سيئة، و ان المؤمن ليذكر ذنبه بعد عشرين سنة حتى يستغفر ربه فيغفر له، و ان
الكافر لينسى من ساعته » . و قوله-عليه السلام-: «ما من مؤمن يقارف في يومه و ليلته اربعين كبيرة فيقول و هو نادم: استغفر
الله الذي لا اله الا هو الحي القيوم بديع السماوات و الارض ذا الجلال و
الاكرام و اساله ان يصلى على محمد و آل محمد و ان يتوب علي، الا غفرها الله له، و لا
خير فيمن يقارف في يومه اكثر من اربعين كبيرة » (28) . و روى: «ان الله-تعالى-لما لعن ابليس ساله النظرة، فانظره الى يوم القيامة،
فقال: و عزتك لاخرجت من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح، فقال الله-تعالى: بعزتي
لا حجبت عنه التوبة ما دام فيه الروح » . و ورد في الاسرائيليات: «ان شابا عبد
الله عشرين سنة، ثم عصاه عشرين سنة، ثم نظر في المرآة، فراى الشيب في لحيته، فساءه
ذلك، فقال: الهي اطعتك عشرين سنة ثم عصيتك عشرين سنة، فان رجعت اليك اتقبلني؟
فسمع قائلا يقول: اجبتنا فاجبناك، فتركتنا فتركناك، و عصيتنا فامهلناك، فان رجعت الينا قبلناك » .
و الاخبار و الآثار في هذا المعنى اكثر من ان تحصى، و في بعض الاخبار المتقدمة
دلالة عليه ايضا. ثم الناظر بنور البصيرة لا يحتاج في هذا المعنى الى بيان، اذ يعلم ان التوبة
توجب سلامة القلب، و كل قلب سليم مقبول عند الله و متنعم في الآخرة في جوار الله، و يعلم
ان القلب خلق في الاصل سليما صافيا، اذ كل مولود يولد على الفطرة، و انما مرض و
اسود بامراض الذنوب و ظلماتها، و دواء التوبة يزيل هذه الامراض، و نور
الحسنات يمحو هذه الظلمات، و لا طاقة لظلام المعاصي مع نور الحسنات، كما لا طاقة
لظلام الليل مع نور النهار، و لكدورة الوسخ مع بياض الصابون و الماء الحار، نعم
اذا تراكمت الذنوب بحيث صار رينا و طبعا، و افسدت القلب بحيث لا يقبل الصفاء و
النورانية بعد ذلك، فمثل هذا القلب لا تفيده التوبة، بمعنى انه لا يرجع و لا يتوب، و
ان قال باللسان تبت، اذ اوساخ الذنوب غاصت في تجاويفه و تراكمت فيه بحيث
لا يقبل التطهير، و لو بولغ فيه ادى الى انخراق القلب و هلاكه، لصيرورة الاوساخ
جزءا من جوهره، كما ان الثوب الذي غاص الوسخ في تجاويفه و خلله و تراكم فيه، لو
بولغ في تطهيره بالماء و الصابون ادى ذلك الى انخراقه. و هذا حال اكثر الخلق
المقبلين على الدنيا المعرضين عن الله فانهم لا يرجعون و لا يتوبون، لصيرورة
ذمائم الاخلاق و رذائلها ملكات راسخة فى نفوسهم و غاصت اوساخها في تجاويف
قلوبهم، بحيث لا يتنبهون و لا يتيقظون حتى يقصدوا التوبة، و لو قصدوها فانما هو
بمجرد اللسان، و القلب غافل خال عن الايمان، بل تتعذر عليه التوبة لبطلان
حقيقتها.
فصل
(طريق التوبة عن المعاصي)
اعلم ان ما عنه التوبة هي الذنوب التي علمت تفاصيلها في هذا الكتاب، و هي-كما
ذكرناها-لا تخلو عن الصفات و الافعال الشيطانية المتعلقة بالوهم، و الصفات و
الافعال السبعية المتعلقة بالقوة السبعية، و الصفات و الافعال البهيمية المتعلقة
بالقوة البهيمية. و من حيث تعلق التوبة بها و كيفية الخروج عنها ينقسم الى
اقسام ثلاثة: احدها-ترك الطاعات الواجبة: من الصلاة، و الصوم، و الزكاة، و الخمس و الكفارة
و غيرها. و طريق التوبة عنها: ان يجتهد في قضائها بقدر الامكان. و ثانيها-المحرمات التي بين العبد و بين الله، اعني المنهيات التي هي حقوق
الله: كشرب الخمر، و ضرب المزامير، و الكذب، و الزنا بغير ذات بعل. و طريق التوبة
عنها: ان يندم عليها، و يوطن قلبه على ترك العود الى مثلها ابدا. و ثالثها: الذنوب التي بينه و بين العباد، و هي المعبر عنها بحقوق الناس، و
الامر فيها اصعب و اشكل، و هي اما فى المال، او في النفس، او في العرض، او في
الحرمة، او في الدين: فما كان في (المال) : يجب عليه ان يرده الى صاحبه ان امكنه، فان عجز عن ذلك
لعدم او فقر، وجب ان يستحل منه، و ان لم يحله او عجز عن الايصال لغيبة الرجل غيبة
منقطعة او موته و عدم بقاء وارث له، فليتصدق عنه ان امكنه. و الا فعليه بالتضرع و
الابتهال الى الله ان يرضيه عنه يوم القيامة، و عليه بتكثير حسناته و تكثير
الاستغفار له، ليكون يوم القيامة عوضا عن حقه، اذ كل من له حق على غيره لا بد ان
ياخذ يوم القيامة عوضا عن حقه، اما بعض طاعاته او بتحمل هذا الغير بعض
سيئاته. و ما كان في (النفس) : فان كانت جناية جرت عليه خطا وجب ان يعطى الدية، و ان كان
عمدا وجب عليه ان يمكن المجنى عليه او اولياءه مع هلاكه من القصاص حتى يقتص منه،
او يجعل في حل، و ان عجز عن ذلك فعليه بكثرة اعتقاق الرقاب، لان ذلك نوع احياء و
ايجاد لا يقدر الانسان على اكثر منه، فيقابل به الاعدام و الامانة، و عليه الرجوع
ايضا الى الله بالتضرع و الابتهال ان يرضيه عنه يوم القيامة. و ما كان في (العرض) : بان شتمه، او قذفه، او بهته، او اغتابه، فحقه ان يكذب نفسه
عند من قال ذلك لديه، و يستحل من صاحبه مع الامكان، ان لم يخف تهديده و زيادة غيظه و
هيجان فتنته من اظهاره، فان خاف ذلك، فليكثر الاستغفار له، و يبتهل الى
الله ان يرضيه عنه يوم القيامة. و ما كان في (الحرمة) : بان خان مسلما في اهله و ولده او نحوهما، فلا وجه
للاستحلال، اذ اظهار ذلك يورث الغيظ و الفتنة، لان من له شوب الرجولية لا يمكن
ان يحل من خان في حرمته و وطا زوجته، كيف و لو احله و رضى بذلك كان فيه عرق من
الدياثة، فاللازم لمثله ان يكثر التضرع و الابتهال الى الله المتعال، و
يواظب على الطاعات و الخيرات الكثيرة لمن خانه في مقابلة خيانته، و ان كان
حيا فليفرحه بالاحسان و الانعام و بذل الاموال، و يكرمه بالخدمة و قضاء الحوائج،
و يسعى في مهماته و اغراضه، و يتلطف به، و يظهر من حبه و الشفقة عليه ما يستميل به
قلبه، فاذا طاب قلبه بكثرة تودده و تلطفه، فربما سمحت نفسه في القيامة بالاحلال،
فان ابى ان يكون انعامه و تلطفه من جملة حسناته التي يمكن ان يجبر بها في
القيامة خيانته، فان كل ظلم و ايذاء و حق من حقوق العباد اذا لم يحل صاحبه يوم
القيامة يقتص من الظالم فى يوم القيامة بالحكم العدل القهري باخذ العوض، سواء رضى
الظالم ام لا، و سواء امتنع صاحب الحق عن القبول و الابراء ام لا، كما انه يحكم
في الدنيا على من اتلف مال غيره باعطاء المثل، و يقهر على ذلك، و يحكم على هذا
الغير بقبوله، و يجبر عليه ان امتنع عن الابراء و عن القبول، فكذلك يحكم احكم
الحاكمين و اعدل العادلين في محكمة القيامة، فيقتص من كل ظالم موذ باخذ حسناته
و وضعها في موازين ارباب المظالم، فان لم تف بها حسناته، حمل من سيئات ارباب
المظالم، فيهلك المسكين بسيئات غيره. و بذلك يعلم: انه لا خلاص لاحد في القيامة
الا برجحان ميزان الحسنات على ميزان السيئات، و مع الرجحان-و لو بقدر
مثقال-تحصل النجاة، فيجب على كل معتقد بيوم الحساب ان يسعى في تكثير الحسنات
و تقليل السيئات، حتى لا ترجح سيئاته يوم القيامة على حسناته و لو بمثقال فيكون
من الهالكين، و على كل حال لا يغفل عن التضرع و الابتهال في الليل و النهار الى
الله-سبحانه-، لعله بعميم لطفه لا يفضحه يوم تبلى السرائر، و يرضى خصمه بخفى
الطافه. و ما كان فى (الدين) : بان نسب مسلما الى الكفر او الضلالة او البدعة. فليكذب
نفسه بين يدي من قال ذلك عنده، و يستحل من صاحبه مع الامكان، و بدونه فليستغفر له
و يكثر الابتهال الى الله ليرضيه عنه يوم القيامة. و مجمل ما يلزم في التوبة عن حقوق الناس: ارضاء الخصوم مع الامكان، و بدونه
التصدق و تكثير الحسنات و الاستغفار، و الرجوع الى الله بالتضرع و الابتهال، و
ليرضيهم عنه يوم القيامة، و يكون ذلك بمشية الله، فلعله اذا علم الصدق من قلب عبده،
و وجد ذله و انكساره، ترحم عليه و ارضى خصماءه من خزانة فضله، فلا ينبغي لاحد ان
يياس من روح الله.
فصل
(تكفير الصغائر و معنى الكبائر)
اعلم ان صاحب الشرع قسم الذنوب الى كبيرة و صغيرة، و حكم بان اجتناب الكبائر
يكفر الصغائر، و ان الصلوات الخمس لا تكفر الكبائر و تكفر الصغائر، قال الله-تعالى-:
«ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم » (29) . و قال: «الذين يجتنبون
كبائر الاثم و الفواحش الا اللمم » (30) . و قال رسول الله-صلى الله عليه و آله-: «الصلوات الخمس و الجمعة تكفر ما بينهن ان
اجتنبت الكبائر» و اجتناب الكبيرة انما يكفر الصغيرة اذا اجتنبها مع القدرة و
الارادة، كمن يتمكن من امراة و من مواقعتها فيكف نفسه عن الوقاع و يقتصر على
نظر و لمس، فان مجاهدته نفسه في الكف عن الوقاع اشد تاثيرا في تنوير قلبه من
اقدامه على النظر في الظلامه، فهذا معنى تكفيره، فان كان امتناعه لعجز او خوف او
نحو ذلك، فلا يصلح للتكفير، فكذلك من لا يشتهي الخمر بطبعه و لو ابيح له لما شربه.
فاجتنابه لا يكفر عن الصغائر التي هي من مقدماته كسماع الملاهي و الاوتار و
مثله. ثم الكبيرة من حيث اللفظ مبهم ليس له موضوع خاص في اللغة و لا في الشرع و العرف،
لان الكبير و الصغير من المصافات، و ما من ذنب الا و هو كبير بالاضافة الى
ما دونه، و صغير بالاضافة الى ما فوقه. و قد اختلف العلماء فى تعيين الكبائر
اختلافا لا يكاد يرجى زواله، و اختلفت الروايات فيها ايضا. و الاظهر بالنظر الى الروايات و الى الجميع بينها كون الكبيرة عبارة عما
توعد بالنار على فعله او ما ورد في نص الكتاب النهي عنه، و يعني بوصفه بالكبيرة: ان
العقوبة بالنار عظيمة، او ان تخصيصه بالذكر في القرآن يدل على عظمه. و يمكن ان يقال:
ان الشرع لم يعينها، و ابهمها ليكون العباد على و جل منها، فيجتنبون جميع
الذنوب، كما ابهم ليلة القدر ليعظم جد الناس فى طلبها، و واظبوا في ليال متعدة
على العبادات، و كما ابهم الاسم الاعظم ليواظبوا على جميع اسماء الله. و
الحاصل: ان كل ما لا يتعلق به حكم الدنيا جاز ان يتطرق اليه الابهام، و الكبيرة
على الخصوص لا حكم لها في الدنيا من حيث انها كبيرة، فان موجبات الحدود معلومة
باساميها، و انما حكم الكبيرة ان اجتنابها يكفر الصغائر و ان الصلوات الخمس لا
تكفرها، و هذا امر يتعلق بالآخرة، و الابهام اليق به، حتى يكون الناس على و جل و
حذر، فلا يتجرؤن على الصغائر اعتمادا على الصلوات الخمس و اجتناب الكبائر.
فصل
(الصغائر قد تكون كبائر)
اعلم ان الصغيرة قد تكبر باسباب: احدها-الاصرار و المواظبة، و لذلك قال الصادق-عليه السلام-: «لا صغيرة مع الاصرار، و لا كبيرة مع الاستغفار» . و السر فيه: ان الصغيرة لقلة
تاثيرها لا تؤثر في القلب باظلامه مرة او مرتين، و لكن اذا تكررت و تراكمت
آثارها الضعيفة صارت قوية و اثرت على التدريج في القلب، و ذلك كما ان قطرات من
الماء تقع على الحجر على توال فتؤثر فيه، و ذلك القدر من الماء لو صب عليه دفعة
لم يؤثر، و لذلك قال رسول الله-صلى الله عليه و آله-: «خير الاعمال ادومها، و ان قل »
. و اذا كان النافع هو الطاعة الدائمة و ان قلت، فكذلك الضار هو السيئة الدائمة و
ان قلت. ثم معرفة الاصرار موكول الى العرف، قال الباقر-ع-في قوله-تعالى-: «و لم يصروا على ما فعلوا و هم يعلمون » (31) : «الاصرار: ان يذنب الذنب، فلا يستغفر و لا يحدث نفسه بتوبة، فذلك الاصرار» . و ثانيها-استصغار الذنب، فان العبد كلما استعظمه من نفسه صغر عند الله، و كلما
استصغره كبر عند الله، لان استعظامه يصدر عن نفور القلب عنه و كراهته له، و ذلك
النفور يمنع من شدة تاثره به، و استصغاره يصدر عن الالف به، و ذلك يوجب شدة
الاثر في القلب، و القلب هو المطلوب تنويره بالطاعات و المحذور تسويده
بالسيئات، و لذلك لا يؤاخذ بما يجري عليه في الغفلة، لعدم تاثره به. و لذلك ورد
في الخبر: «ان المؤمن يرى ذنبه كالجبل فوقه يخاف ان يقع عليه، و المنافق يرى
ذنبه كذباب مر على انفه فاطاره » . و قال رسول الله-صلى الله عليه و آله-: «اتقوا
المحقرات من الذنوب، فانها لا تغفر» ، قيل: و ما المحقرات؟ قال: الرجل يذنب
الذنب، فيقول طوبى لي لو لم يكن غير ذلك » . و روى: «انه-صلى الله عليه و آله-نزل
بارض قرعاء، فقال لاصحابه: ائتونا بالحطب، فقالوا: يا رسول الله! نحن بارض قرعاء ما بها من حطب، قال: فليات كل انسان بما قدر عليه.
فجاؤا به حتى رموا بين يديه بعضه على بعض، فقال-صلى الله عليه و آله-: هكذا
تجتمع الذنوب، اياك و المحقرات من الذنوب فان لكل شي ء طالبا، الا و ان
طالبها يكتب ما قدموا و آثارهم و كل شي ء احصيناه في امام مبين » . و قال امير
المؤمنين-عليه السلام-: «لا تصغر ما ينفع يوم القيامة، و لا تصغر ما يضر يوم
القيامة، فكونوا فيما اخبركم الله كمن عاين » . و قال الباقر-عليه السلام-:
«اتقوا المحقرات من الذنوب فان لها طالبا، يقول احدكم: اذنب و استغفر الله.
ان الله-تعالى-يقول: «و نكتب ما قدموا و آثارهم و كل شي ء احصيناه فى امام مبين » (32) . و قال-عز و جل-:
«انها ان تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة او في السموات او فى الارض يات
بها الله ان الله لطيف خبير» (33) . و قال الصادق-عليه السلام-: «ان الله يحب العبد ان يطلب اليه في الجرم العظيم،
و يبغض العبد ان يستخف بالجرم اليسير» . و قال الكاظم -عليه السلام-: «لا
تستكثروا كثير الخير و لا تستقلوا قليل الذنوب، فان قليل الذنوب يجتمع حتى
يكون كثيرا، و خافوا الله في السر حتى تعطوا من انفسكم النصف » (34) . و السر في
عظم الذنب في قلب المؤمن: كونه عالما بجلال الله و كبريائه، فاذا نظر الى عظم
من عصى به راى الصغير كبيرا، و قد اوحى الله الى بعض انبيائه: «لا تنظر الى قلة
الهدية و انظر الى عظم مهديها، و لا تنظر الى صغر الخطيئة و انظر الى كبرياء من
واجهته بها» . و لذلك قال بعض الصحابة للتابعين: «انكم تعملون اعمالا هي ادق في اعينكم من الشعر،
و كنا نعدها على عهد رسول الله من الموبقات » ، اذ كانت معرفة الصحابة بجلال الله
اتم، فكانت الصغائر عنهم بالاضافة الى جلال الله كبائر. و ثالثها-ان ياتى بالصغائر و لا يبالى بفعلها، اغترارا بستر الله عليه، و
حلمه عنه، و امهاله اياه، و لا يعلم انه انما يمهل مقتا ليزداد بالامهال اثما،
فتزهق انفسهم و هم كافرون، فمن ظن آن تمكنه من المعاصى عناية من الله به، فهو
جاهل بمكامن الغرور، و آمن من مكر الله الذي لا يامن منه الا الكافرون. و رابعها-السرور بالصغيرة و اعتداد التمكن من ذلك نعمة، و الغفلة عن كونها نقمة
و سبب الشقاوة، فكلما غلبت حلاوة الصغيرة عند العبد كبرت و عظم اثرها في تسويد
قلبه، فمن مزق عرض مسلم و فضحه و خجله، او غبنه في ماله في المعاملة، ثم فرح به، و
يقول: اما رايتني كيف مزقت عرضه؟ و كيف فضحته؟ و كيف روجت عليه الزيف؟ كانت معصيته اشد مما اذا لم يفرح بذلك
و تاسف عليه، اذ الذنوب مهلكات، و اذا ابتلى بها العبد فينبغى ان يتاسف من
حيث ان العدو-اعني الشيطان-ظفر به و غلب عليه، لا ان يفرح بغلبة العدو عليه، فالمريض
الذي يفرح بانكسار انائه الذي فيه واؤه لتخلصه من الم شربه، لا يرجى شفاؤه. و خامسها-ان يذنب و يظهر ذنبه بان يذكره بعد اتيانه، او ياتي به في مشهد غيره،
فان ذلك خيانة منه على الله الذي اسدله عليه، و تحريك الرغبة و الشر فيمن اسمعه
ذنبه او اشهده فعله، فهما خيانتان انضمتا الى خيانته فتغلظت به، فان
انضاف الى ذلك الترغيب للغير فيه و الحمل عليه و تهيئة الاسباب له صارت
خيانته رابعة، و تفاحش الامر. و هذا لان من صفات الله انه يظهر الجميل و يستر
القبيح و لا يهتك الستر، فلاظهار كفر ان لهذه النعمة، قال رسول الله-صلى الله عليه
و آله-: «المستتر بالحسنة تعدل سبعين حسنة، و المذيع بالسيئة مخذول، و المستتر
بها مغفور له » . و قال الصادق-عليه السلام-: «من جاءنا يلتمس الفقه و القرآن و
تفسيره فدعوه و من جاءنا يبدي عورة قد سترها الله فنحوه » . و سادسها-ان يكون الآتي بالصغيرة عالما يقتدي به الناس، فاذا فعله بحضرة الناس
او بحيث اطلعوا عليه، كبر ذنبه، و ذلك كلبه الذهب و الابريسم، و اخذه مال
الشبهة، و اطلاقه اللسان في اعراض الناس، و نحو ذلك. فهذه ذنوب يقتدى العالم
فيها و يتبع عليها، فيموت و يبقى شره مستطيرا في العالم، فطوبى لمن اذا
مات ماتت معه ذنوبه، و في الخبر: «من سن سنة سيئة فعليه و زرها و وزر من عمل بها لا
ينقص من اوزارهم شي ء» قال الله-تعالى- «و نكتب ما قدموا و آثارهم » (35) و الآثار: ما يلحق الاعمال بعد انقضاء العمل. فعلى العالم وظيفتان: -احدهما-ترك الذنب، و الاخرى-اخفاؤه، و كما تتضاعف اوزار العالم على
السيئات اذا اتبع فيها، فكذلك يتضاعف ثوابه على الحسنات اذا اتبع.
1) الجمعة، الآية: 8. 2) صححنا الحديث على احياء العلوم: 4 390. و في نسخ الكتاب (اولج و من اولج) . 3) صححنا الاحاديث هنا على اصول الكافي (باب الحياء) . 4) الشورى، الآية: 30. 5) صححنا الاحاديث هنا على اصول الكافي (باب الذنوب) . 6) العنكبوت، الآية: 3. 7) صححنا هذه الرواية على (مصباح الشريعة: الباب 80) . 8) و فى النسخ (او) بدل (اما) ، و الصحيح ما اثبتناه. 9) النور، الآية: 31. 10) التحريم، الآية: 8. 11) يس، الآية: 9. 12) البقرة، الآية: 7. 13) النور، الآية: 31. 14) هو ابو سليمان الدراني فيما نقل عنه في احياء العلوم: 4 10. 15) في نسخ جامع السعادات (يجزيه) . 16) البقرة، الآية: 40. 17) المؤمنون، الآية 8. المعارج، الآية: 32. 18) المطففين، الآية: 14. 19) النساء، الآية: 16. 20) النساء، الآية: 17. 21) البقرة، الآية: 222. 22) البقرة، الآية: 222. 23) المؤمن، الآية: 7-9. 24) الفرقان، الآية: 68-70. 25) المؤمن، الآية: 3. 26) الشورى، الآية: 25. 27) اللنساء، الآية: 109. 28) صححنا الاحاديث الواردة في هذا الباب على اصول الكافي: باب الاعتراف
بالذنوب، و باب من يهم بالحسنة او السيئة، و باب التوبة، و باب الاستغفار من
الذنوب، و باب فيما اعطى الله-عز و جل-آدم وقت التوبة. 29) النساء، الآية: 30. 30) النجم، الآية: 32. 31) آل عمران، الآية: 135. 32) يس، الآية: 12. 33) لقمان، الآية: 16. 34) صححنا الاحاديث كلها على اصول الكافي (باب التوبة، و باب تفسير الذنوب) . 35) يس، الآية: 12.