فصل
(اقسام النعم و اللذات)
اعلم ان النعمة عبارة عن كل خير و لذة و سعادة، بل كل مطلوب و مؤثر. و هي تنقسم الى
مؤثر لذاته لا لغيره، اي تكون غاية مطلوبة لذاتها ليس فوقها غاية اخرى، و هي مخصوصة
بسعادة الآخرة التي لا انقضاء لها، اعني لذة النظر الى وجه الله، و سعادة لقائه، و
سائر لذات الجنة، من البقاء الذي لا فناء له، و السرور الذي لا غم فيه، و العلم
الذى لا جهل معه، و الغنى الذي لا فقر بعده، و غير ذلك. فانها لا تطلب ليتوصل بها
الى غاية اخرى مقصودة وراءها، بل تطلب لذاتها، و هذه هي النعمة الحقيقية و اللذة
الواقعية، و لذلك قال رسول الله (ص) : «لا عيش الا عيش الآخرة » ، و غالب هذه النعمة و
السعادة و اقواها و اشرفها هي اللذة و البهجة المرضية العقلية دون
الجسمانية-كما لا يخفى-، فيختص بادراكها العقل، و لا حظ للسمع و البصر و الشم و
البطن و الفرج فيها. و الى ما يقصد لغيره، اي تكون مطلوبة لاجل الغاية المطلوبة
لذاتها و وسيلة اليها، سواء اكانت مقصودة لذاتها ايضا ام لا. و هى تنقسم الى
اربعة اقسام: القسم الاول-و هو الاقرب الاخص: الفضائل النفسية المذكورة في هذا الكتاب، و
يجمعها العلم و العفة و الشجاعة و العدالة، و هذه مع كونها لذيذة في نفسها، تكون
وسيلة الى النعمة التى هي غاية الغايات بلا توسط وسيلة اخرى. و لذلك قلنا: هي اقرب
الوسائل و اخصها. و اشرفها العلم، و اشرف افراد العلم: العلم بالله و صفاته و
ملائكته و رسله، و احوال النشاة الآخرة، و سائر افعاله، و علم المعاملة الراجع الى
علم الاخلاق، اذ هو الذي يؤدي الى السعادة الحقيقية بلا توسط شي ء آخر، و سائر العلوم
انما هي مقصودة من حيث كونها وسائل الى هذا العلم، و هذه الفضائل لذيذة في الدنيا
و الآخرة نافعة فيهما، اي تؤدي الى الراحة فيهما، و جميلة على الاطلاق، اي تستحسن
في جميع الاحوال. و ضدها-اعنى الجهل و الاخلاق السيئة-ضارة مؤلمة في الدارين، قبيحة
على الاطلاق. و سائر الصفات ليست جامعة لهذه الاوصاف. فان اكل لذائذ الاطعمة و
طيباتها يوجب اللذة و النفع، اى حصول الراحة في الحال، و لكنه ضار في المآل، و
ترك الشهوات بعكس ذلك. ثم لذة المعرفة و فضائل الاخلاق دائمة لازمة لا تزول ابدا، لا فى الدنيا و لا في
الآخرة، و عقلية يختص بادراكها العقل دون سائر الحواس. و اما غيرها من اللذات، فبعضها مما يشترك فيه الانسان و بعض الحيوانات،
كلذة الرئاسة و الغلبة و الاستيلاء، و هذه اللذة موجودة في الاسد و النمر و بعض اخر
من الحيوانات. و بعضها مما يشترك فيه الانسان و سائر الحيوانات، كلذة
البطن و الفرج، و هي اخس اللذات، و لذلك اشترك فيها كل ما دب و درج، حتى
الديدان و الحشرات. فمن جاوز هذه اللذة، تشبثت به لذة الغلبة و الاستيلاء، فان
جاوزها ايضا ارتقى الى اللذة العقلية فصار اقرب اللذات عليه لذة المعرفة، لا
سيما لذة معرفة الله و معرفة صفاته و افعاله. و هذه مرتبة الصديقين، و لا ينال
تمامها الا بخروج حب الرئاسة من القلب، و آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب
الرئاسة و الجاه، و لذلك قمعها بالكلية، بحيث لا يقع بها الاحساس قط، يشبه ان يكون
خارجا عن مقدرة البشر. نعم ربما غلبت لذة المعرفة في احوال، بحيث لا يقع معها
الاحساس بلذة الجاه و الرئاسة، الا ان ذلك لا يدوم، بل تعتريه الفترات، فتعود
الى الحالة البشرية. و على هذا، تنقسم القلوب الى اربعة اقسام: قلب: لا يحب الا
الله، و لا يستريح الا اليه، و ليس فرحه الا بزيادة المعرفة و الفكر فيه، و لا يسكن
الا بحبه و انسه، و قلب: اغلب احواله الانس بالله و التلذذ بمعرفته و الفكر فيه،
و لكن في بعض الاوقات و الاحوال يعتريه الرجوع الى اوصاف البشرية. و قلب: اغلب
احواله التلذذ بالجاه و الرئاسة و المال و سائر الشهوات البدنية، و في بعض
الاوقات يتلذذ بالعلم و المعرفة و حب الله و الانس به. و قلب: لا يدري ما لذة
المعرفة و ما معنى الانس بالله، و انما لذته بالرئاسات و الشهوات. و الاول-ان
كان ممكنا في الوجود فهو في غاية الندور. و الثانى-ايضا نادر. و السر في ندور
هذين القسمين: ان من انحصرت لذاته بمعرفة الله و حبه و انسه، او غلب عليه ذلك،
فهو من ملوك الآخرة، و الملوك هم الاقلون و لا يكثرون. فكما لا يكون الفائق في الملك و الاستيلاء في الدنيا الا نادرا، و اكثر الناس
دونهم، فكذا في ملك الآخرة فان الدنيا مرآة الآخرة. اذ الدنيا عالم الشهادة و في
الآخرة عالم الغيب، و عالم الشهادة تابع لعالم الغيب، كما ان الصورة في
المرآة تابعة لصورة الناظر في المرآة، و هي و ان كانت الثانية في رتبة الوجود،
الا انها في امر الرؤية اولى، لانك ترى صورتك في المرآة اولا، ثم ترى نفسك،
فتعرف بالصورة القائمة بالمرآة صورتك التي هي قائمة بك ثانيا على سبيل
المحاكاة، فانقلب التابع في الوجود متبوعا في حق الرؤية و المعرفة، و انقلب
المتاخر متقدما. و هذا النوع من الانعكاس و الانتكاس ضرورة هذا العالم. و كذا
عالم الملك و الشهادة يحاكي عالم الغيب و الملكوت، فمن الناس من لا ينظر في
مرآة عالم الشهادة الا بنظر الاعتبار، فلا ينظر فى شي ء من عالم الملك الا و يعبر
به الى عالم الملكوت، فيسمى عبوره عبرة، و قد امر الخلق به، فقيل: «فاعتبروا يا
اولي الابصار» (1) و منهم من عميت بصيرته، فلم يعتبر، فاحتبس في عالم الملك و الشهادة، و ستفتح
الى حبسه له ابواب جهنم. و اما الثالث-فاكثر وجودا منه. و اما الرابع-فدار الدنيا طافحة به، لقصور اكثر الناس عن ادراك لذة العلم، اما
لعدم الذوق، اذ من لم يذق لم يعرف و لم يشتق، اذ الشوق فرع الذوق، و ذلك اما
لقصور فطرتهم و عدم اتصافهم بعد بالصفة التى بها يستلذ العلم، كالطفل الرضيع
الذي لا يدرك لذة العسل، و لا يستلذ الا باللبن، فهؤلاء ممن يحيى باطنهم بعد كالطفل.
و اما لمرض قلوبهم او موتها بسبب اتباع الشهوات، كالمريض الذي لا يدرك لذة
الشكر، او الميت الذي سقط عنه الادراك، و هؤلاء كالمرضى او الاموات بسبب اتباع
الشهوات. القسم الثاني-الفضائل البدنية: و هي اربعة: الصحة، و القوة، و طول العمر، و الجمال.
الثالث-النعم الخارجة المضيفة بالبدن: و هي: المال، و الجاه، و الاهل، و كرم
العشيرة. الرابع-الاسباب التي تناسب من وجه الفضائل النفسية، و يعبر عنها بالنعم
التوفيقية: و هي: هداية الله، و رشده، و تسديده، و تاييده. و هذه الجملة مما يتوقف
بعضها على بعض، الى ان ينتهي الى السعادة التي هي مطلوبة لذاتها. و التوقف اما
على سبيل اللزوم و الضرورة، كتوقف سعادة الآخرة على الفضائل النفسية و البدنية، و
توقف الفضائل النفسية على صحة البدن، او على سبيل النفع و الاعانة، كتوقف الفضائل
النفسية و البدنية على النعم الخارجة. و وجه كونها معينة نافعة في تحصيل العلم و تهذيب الاخلاق و صحة البدن ظاهر. و
اعانة الجمال في كسب الفضائل النفسية و البدنية مبني على ان القبيح مذموم، و
الطباع عنه نافرة، فحاجات الجميل الى الاجابة اقرب، و جاهه في الصدور اوسع. و
ايضا الغالب دلالة الجمال على فضيلة النفس، لان نور النفس اذا تم اشراقه تادى
الى البدن. و لذلك عول اصحاب الفراسة في معرفة مكارم النفس على هيئات البدن. ثم
انا لا نعني بالجمال ما يحرك الشهوة، فان ذلك انوثة، بل نعني به البراءة عن
العيوب و النقص و الزيادة، و ارتفاع القامة على الاستقامة، مع الاعتدال في اللحم، و
تناسب الاعضاء، و تناسب خلقة الوجه، بحيث لا تنبو الطباع عن النظر اليه. و اما
احتياج الفضائل الخلقية و الجسمية الخارجية الى النعم التوفيقية، فلان المراد
بالتوفيقية هو التآلف بين ارادة العبد و بين قضاء الله و قدره، بشرط كون المراد
و المقضي سعادة. و بعبارة اخرى: هو توجيه الاسباب نحو المطلوب. و اما الهداية، فلها مراتب: اولاها: الهداية العامة، و هي ارادة طريق الخير و
تعريفه. و ثانيتها: الخاصة، و هي الافاضات المتتالية الواردة من الله على بعض
عبيده، نظرا الى مجاهدتهم. و ثالثتها: الهداية المطلقة، و هى النور الذي يشرق في
عالم النبوة و الولاية، فيهتدى بهما الى ما لا يهتدى اليه بالعقل. و توقف تحصيل
كل خير و فضيلة، كائنا ما كان، على مساعدة القضاء و القدر، و على العلم بطريق الخير،
ظاهر. و اما الرشد، فالمراد به العناية الآلهية، التي تعين الانسان عند توجهه الى
مقاصده، فيقويه على ما فيه صلاحه، و يفتره عما فيه فساده، و يكون ذلك من
الباطن. و بعبارة اخرى: هو هداية باعثة الى وجهة السعادة محركة اليها. و قد ظهر
احتياج تحصيل الخير و السعادة اليه من مفهومه. و اما التسديد، فهو توجيه حركاته الى صوب المطلوب و تيسرها عليه، ليصل اليه
في اسرع وقت. فالهداية محض التعريف، و الرشد هو تنبيه الداعية لتستيقظ و تتحرك، و
التسديد اعانة و نصرة بتحريك الاعضاء الى صوب الصواب و السداد. و قد ظهر وجه
كون التسديد معينا في طلب الخير ايضا من حاق معناه. و اما التاييد، فانه جامع للكل، اذ هو عبارة عن تقوية امره بالبصيرة، فكانه
من داخل، و بقوة البطش و مساعدة الاسباب من خارج. و تقرب منه العصمة، و هى عبارة عن وجود الهي يسنح في الباطن، يقوى به الانسان على
تحرى الخير و تجنب الشر، حتى يصير كمانع باطنى غير محسوس يمنع عن الشر، و هو
المراد من برهان الرب في قوله-تعالى-: «و لقد همت به و هم بها لولا ان راى برهان ربه » (2) .
تنبيه
اعلم ان النعم الاخروية، التي هى الغايات المطلوبة لذواتها، و تفصيلها و
اسبابها و ما يتوقف وجودها عليه، الى ان ينتهي الى مسبب الاسباب، مما لا يمكن
دركها، و العقول البشرية قاصرة عن درك قليلها فضلا عن كثيرها. و اما الوسائل الاربعة من النعم التى انقسم كل منها ايضا الى اربعة اقسام، و
صار مجموعها ستة عشر قسما، فيستدعى كل قسم من الستة عشر اسبابا، و تلك
الاسباب اسبابا، حتى تنتهي بالآخرة الى مسبب الاسباب و موجد الكل. و المتفكر
يعلم، ان كلا منها يتوقف على نعم و اسباب اخرى متسلسلة خارجة عن حد الاحصاء. فان
نعمة الصحة التي من النعم الواقعة في المرتبة المتاخرة تتوقف على اسباب و نعم
من جملتها نعمة الاكل، فان احصاءها و ان لم يكن ممكنا، الا انا نشير الى بعضها
على سبيل التلويح دون الاستقصاء، لتقاس عليها البواقى. فنقول: نعمة الاكل تتوقف على ادراك الغذاء و اسبابه، و على شهوة الطعام و ميله و
ارادته و اسبابه، و على القدرة الى تحصيله و اسبابه، و على وجود اصل الغذاء
الماكول و تكونه، و على اصلاحه بعد وجوده و تكونه، و على الاسباب الموصلة له الى كل
انسان لو كان بعيدا عنه، و على اسباب الطحن و الجذب و الهضم و الدفع و سائر
الافعال الباطنة الى ان يصير جزء للبدن، و على الملائكة الموكلين على فعل من
الافعال المذكورة. فها هى نذكرها اجمالا و تلويحا في فصول:
فصل
(الاكل)
الاكل يتوقف اولا على ادراك الغذاء الماكول رؤية و لمسا و استشماما و ذوقا، اذ
ما لم يبصره لم يمكنه تمييزه و طلبه، و ما لم يلامسه لم يتمكن من درك بعض اوصافه
اللازمة في الاكل، و ما لم يشمه لم يتشخص ما يكره رائحته عما تطيب رائحته، و ربما
توقف تحصيله على استشمام رائحته من بعد، لا سيما لبعض الحيوانات، و ما لم يذقة
لم يدرك انه موافق او مخالف له، و بذلك ظهر توقفه على خلق الحواس المدركة الظاهرة،
فخلقها الله-سبحانه-. ثم، الاسباب التى يتوقف عليها خلق هذه الحواس مما لا تتناهى، فلا نتعرض
لبيانها. و بعد ادراك الغذاء-على ما ذكر-لا بد له من قوة اخرى يعرف بها كون
الغذاء الذي ذاقه سابقا و رآه مرة اخرى موافقا او مخالفا، و هذه القوة هي الحس
المشترك الذي يتادى اليه جميع المحسوسات و يجتمع فيه، فانك اذا اكلت شيئا
اصفر-مثلا-فوجدته مرا مخالفا لك فتركته، فاذا رايته مرة اخرى فلا تعرف انه
مر ما لم تذقه، لو لا الحس المشترك. اذ العين تبصر الصفرة و لا تدرك المرارة، و الذوق يدرك المرارة و لا يدرك الصفرة،
فلا بد من حاكم يجتمع عنده الصفرة و المرارة جميعا، حتى اذا ادرك الصفرة حكم
بانه مر، فيمتنع عن تناوله ثانيا. و هذه القوة-اعني الحس المشترك-يتوقف خلقه على
اسباب و نعم لا يمكن احصاؤها، فلتذرها على سنابلها. ثم الادراك بالحواس الظاهرة و الحس المشترك، مما تشترك فيه سائر الحيوانات، و
لو انحصر ادراك الانسان ايضا به لكان ناقصا. اذ البهيمة تاكل ما تستلذ به في
الحال و يضرها في ثانى الحال، فتمرض و تموت، اذ ليس لها الا الاحساس
بالحاضر، و اما ادراك العواقب فليس لها اليه سبيل. فيتوقف تمييز صلاح العواقب و فسادها على قوة اخرى. فخلق الله للانسان العقل، به
يدرك مضرة الاطعمة و منفعتها في المآل، و به يدرك كيفية طبخ الاطعمة و تركيبها و
اعداد اسبابها، فينتفع بعقله في الاكل الذي هو سبب صحته، و هو اخس فوائد العقل و اقل
الحكم فيه، اذ الحكم و الفوائد المترتبة عليه اكثر من ان تحصى، و اعظم الحكم
فيه معرفة الله و معرفة صفاته و افعاله. و العقل بمنزلة السلطان في مملكة البدن، و
الحواس الخمس كالجواسيس و اصحاب الاخبار و الموكلين بنواحي المملكة، و قد وكل كل
واحد منها بامر خاص. فواحدة باخبار الالوان، و اخرى باخبار الاصوات، و اخرى
باخبار الروائح، و اخرى باخبار الطعوم، و اخرى باخبار الحر و البرد و
الخشونة و الملاسة و اللين و الصلابة. فهذه الجواسيس يقتنصون الاخبار من اقطار
المملكة، و يسلمونها الى الحس المشترك، و هو قاعد في مقدمة الدماغ، مثل صاحب الكتب و
القصص على باب الملك، يجمع القصص و الكتب الواردة من نواحي العالم، و ياخذها و
يسلمها الى العقل الذي هو السلطان مختومة، اذ ليس له الا اخذها و حفظها، و اما
معرفة حقائق ما فيها فليس اليه. و لكن اذا صادف القلب العاقل الذي هو الامير و
الملك، سلم، لانها آتية اليه مختومة، فيفتشها الملك و يطلع على اسرار المملكة، و
يحكم فيها باحكام عجيبة لا يمكن استقصاؤها. و بحسب ما يلوح له من الاحكام و
المصالح يحول الجنود-اعنى الاعضاء-فى الطلب او الهرب او اتمام التدبيرات
التى تعن له. ثم عجائب حكم العقل و الاسباب التى يتوقف خلقه عليها ليس دركها في
مقدرة البشر، و هذه ما يتوقف عليه الاكل من الادراكات و اسبابها.
فصل
(لا فائدة في الغذاء ما لم يكن بشهوة و ميل)
اذا ادرك الغذاء، لم يفد فائدة ما لم تكن شهوة له و ميل و شوق اليه. اذ لو لا الميل
اليه لكان ادراكه باي حس و قوة فرضا معطلا. الا ترى ان المريض يرى الطعام و يدرك
انه انفع الاشياء له، و قد سقطت شهوته، فلا يتناوله، فيبقى البصر و الادراك معطلا في
حقه؟ فيتوقف الاكل على ميل الى الموافق، و يسمى شهوة، و نفرة عن المخالف، و
يسمى كراهة. فخلق الله شهوة الطعام و سلطها على الانسان كالمتقاضي الذي يضطره
الى التناول، و هذه الشهوة لو لم تسكن بعد اخذ قدر الحاجة لا سرفت و اهلكت نفسه،
فخلق الله الكراهة عند الشبع لترك الاكل بها، و لم يجعلها كالزرع الذي لا يزال
يجتذب الماء اذا انصب في اسفله حتى يفسد، و لذلك يحتاج الى آدمى يقدر غذاءه بقدر
الحاجة، فيسقيه مرة و يقطع عنه الماء اخرى، ثم مجرد الميل و الشهوة لا يكفي، ما لم
تنبعث الداعية الى تناول الغذاء. فخلق الله-تعالى-له الارادة-اعني انبعاث النفس
الى تناوله. و ربما حصل الاحتياج الى قوة الغضب-ايضا-ليدفع عن نفسه المؤذي و
ما يضاده و يخالفه، و من اراد ان ياخذ منه ما حصله من الغذاء. ثم لكل واحد من
الشهوة، و الكراهة، و الارادة، و الغضب، اسباب لا يمكن احصاؤها، ثم بعد ادراك
الغذاء و ميله و شهوته و ارادته، لا يفيد شيئا من ذلك ما لم يتحقق الطلب و الاخذ
بالفعل بآلاتهما. فكم من زمن شائق الى شي ء بعيد منه مدرك له مائل اليه مريد له، لا يمكنه
ان يمشي اليه لفقد رجله، او لا يمكنه ان يتناوله لفقد يده او لفلج او عذر فيهما. فلا بد
من آلات للحركة، و قدرة في تلك الآلات على الحركة، لتكون حركتها بمقتضى الشهوة
طلبا. فلذلك خلق الله-تعالى-لك الاعضاء التي تنظر الى ظاهرها و لا تعرف
اسرارها. فمنها ما هو آلة للطلب، كالرجل للانسان، و الجناح للطير، و القوائم للدواب. و
منها ما هو آلة لدفع المؤذي و المانع من طلب الغذاء، كالقرن لبعض الحيوانات، و
الانياب لبعض اخر منها، و المخلب لبعض آخر منها، و الاسلحة للانسان القائمة مقام
هذه الآلة. و منها ما هو آلة للاخذ و التناول كاليدين للانسان. ثم لهذه الاعضاء
اسباب و حكم خارجة عن الحد و الحصر و قد تقدم قليل من حكمها و عجائبها في باب
التفكر.
فصل
(عجائب الماكولات)
عمدة ما يتوقف عليه الاكل و اصله و مناطه، هي الاغذية و الاطعمة الماكولة، و
لله-تعالى-في خلقها عجائب كثيرة لا تحصى، و اسباب متوالية لا تتناهى. و الاغذية
و الادوية من الاطعمة لم يبلغ عددها من الكثرة حدا يمكن احصاؤها و حصرها، فضلا عن
بيان عجائبها و اسبابها، فنحن نترك الجميع، و تاخذ من جملتها حبة من الحنطة،
و نبين بعض اسبابها و حكمها و عجائبها. فنقول: قد خلق الله فى حبة الحنطة من القوى ما يغتذى به كما خلق فيك. فان النبات انما
يفارقك في الحس و الحركة دون الاغتذاء، لانه يغتذى بالماء. و لا نتعرض لذكر آلات النبات في اجتذاب الغذاء الى نفسه، بل نشير الى لمعة من
كيفية اغتذاء الحبة. فنقول: ان الحبة لا تغتذي بكل شي ء، بل يتوقف اغتذاؤها على ارض فيها ماء. و لا بد ان تكون ارضها رخوة متخلخلة يتغلغل الهواء اليها، فلو تركتها في ارض ندية
صلبة متراكمة لم تنبت لفقد الهواء. ثم الهواء لا يتسرب اليها بنفسه، فلا بد من
حصول اسباب الريح حتى تحرك الهواء و تضربه و ينفذ فيها بقهر و عنف، و اليه
الاشارة بقوله-تعالى-: «و ارسلنا الرياح لواقح » (3) . و القاحها انما هو ايقاعها الازدواج بين الهواء و الماء و الارض. ثم لا يكفي
ذلك في انباته في برد مفرط، فيحتاج الى حرارة الصيف و الربيع. فهذه اربعة اسباب، فان الماء لا بد ان ينساق الى ارض الزراعة من البحار و
الشطوط و الانهار و العيون و السواقي، فانظر كيف خلق الله جميع ذلك. ثم الارض ربما تكون مرتفعة لا ترتفع اليها مياه العيون و القنوات، فخلق الله
الغيوم، و هي سحب ثقال حاملات للماء، و سلط عليها الرياح لتسوقها باذنه الى
اقطار العالم من المرتفعات و المنخفضات، و ترسلها مدرارا على الاراضي في وقت
الربيع و الخريف على حسب الحاجة، ثم خلق الجبال حافظة للمياه تنفجر منها
العيون تدريجا على قدر الحاجة، و لو خرجت دفعة لغرقت البلاد، و هلك الزرع و المواشي.
و نعم الله-تعالى-و عجائب صنعه و حكمته في السحاب و البحار و الجبال و
الامطار لا يمكن احصاؤها و اما الحرارة، فانها لا يمكن ان تحصل في الماء و
الارض، لكونهما باردين. فخلق الله الشمس، و سخرها، و جعلها-مع بعدها عن الارض- مسخنة لها في وقت دون وقت، ليحصل
الحر عند الحاجة اليه، و البرد عند الافتقار اليه، و هذه اخس حكم الشمس، و الحكم
فيها اكثر من ان تحصى. ثم النبات ان ارتفع على الارض كان في الفواكه انعقاد و
صلابة، فتفتقر الى رطوبة تنضجها، فخلق الله القمر، و جعل من خاصيته الترطيب، كما
يظهر لك ذلك اذا كشفت راسك له في الليل، فانه تغلب على راسك الرطوبة المعبر
عنها: (الزكام) ، فهو بترطيه ينضج الفواكه و يرطبها، و يصبغها بتقدير الخالق
الحكيم، و هذا ايضا اخس فوائد القمر و حكمه، و ما فيه من الحكم و الفوائد لا مطمع
في استقصائه، بل كل كوكب في السماء فقد سخر لفوائد كثيرة لا تفي القوى الشرية
باحصائها. و كما انه ليس فى اعضاء البدن عضو لا فائدة فيه، فكذلك ليس عضو من
اعضاء بدن العالم لا تكون فيه فائدة او فوائد كثيرة. و العالم كله كشخص واحد، و
آحاد اجسامه كالاعضاء له، و هى متفاوتة تفاوت اعضاء البدن، و شرح ذلك ليس في
مقدرة البشر، و كلها مسخرات لله-سبحانه-، و آثار من قدرته الكاملة، و رشحات من
ابحر عظمته الباهرة، و ليست في انفسها الا اعدام صرفة. فارباب القلوب العارفون بالله المحبون له، اذا نظروا الى ملكوت السماوات
و الارض، و الآفاق و الانفس، و الحيوانات و النباتات، لا ينظرون اليها الا من
حيث انها آثار قدرة ربهم، و رشحات صفاته، و يكون تفكرهم و سعيهم في العثور على
عجائبها و حكمها، و ابتهاجهم و شغفهم لاجل ذلك. كما ان من احب عالما لم يزل
مشغوفا بطلب تصانيفه، فيزداد بمزيد الوقوف على عجائب علمه حبا له. فكذلك الامر
في عجائب صنع الله، فان العالم كله من تصنيفه-تعالى-، بل جميع المصنفين ايضا من
تصنيفه الذي صنفه بواسطة قلوب عباده، فان تعجبت من تصنيف، فلا تتعجب من المصنف،
بل من الذى سخر المصنف لتاليفه بما انعم عليه من هدايته و تسديده و تعريفه. كما اذا رايت لعب المشعوذ (4) يترقص و يتحرك حركات موزونة متناسبة، فلا تتعجب
من اللعب، فانها خرق محركة لا متحركة، و لكن تعجب من حذق المشعوذ المحرك لها
بروابط دقيقة عن الابصار. و قد ظهر ان غذاء النبات لا يتم الا بالماء و الهواء و
الشمس و القمر و الكواكب، و لا يتم ذلك الا بالافلاك التي هي موكوزة فيها، و لا
تتم الافلاك الا بحركاتها، و لا تتم حركاتها الا بملائكة سماوية يحركوتها، و
كذلك تتسلسل الاسباب الى ان تنتهي الى مسبب الاسباب و غاية الكل، و ليس لنا
سبيل الى ادراك تفاصيلها و استنباط عجائب حكمها و دقائق مصالحها.
فصل
(حاجة تحضير الطعام الى الاف الاسباب)
ثم ما ينبت من الارض من النبات، و ما يحصل من الحيوانات، لا يمكن ان تقضم و
تؤكل كذلك، بل لا بد في كل واحد من اصلاح و طبخ و تركيب و تنظيف، بالقاء البعض و
ابقاء البعض، الى غير ذلك من الاعمال التي لا تحصى، و كل من الاطعمة يتوقف
اصلاحها على امور خاصة كثيرة، و استقصاء ذلك في كل طعام طويل. فلناخذ رغيفا
واحدا، و ننظر الى بعض ما يحتاج اليه حتى يستدير و يصلح للاكل، اذ بيان جميع ما
يحتاج اليه حتى يستدير الرغيف الواحد ليس ممكنا، فنقول: اول ما يتوقف عليه هذا الرغيف الارض، ثم القاء البذر فيها، ثم الثور الذي
يثير الارض مع آلاته، كالفدان و غير ذلك، ثم تنقية الارض من الحشائش، و التعهد بسقي
الماء الى ان يعقد الحب و يبدو صلاحه، ثم الحصاد، ثم الفرك، ثم التنقية و التصفية،
ثم الطحن، ثم العجن، ثم الخبز. فتامل عدد هذه الافعال، و استحضر سائر الافعال التي لم نذكرها، ثم تذكر عدد
الاشخاص القائمين بها، و عدد الآلات التي يحتاج اليها من الحديد و الخشب و الحجر
و غيرها. و انظر الى اعمال الصناع في اصلاح آلات الحراثة و التصفية و الطحن و
الخبز من نجارة و حدادة و غيرهما، و احتياج كل منها الى آلات كثيرة. ثم انظر
كيف الف الله-سبحانه-بين قلوب هؤلاء الصناع المصلحين، و سلط عليهم الانس و المحبة،
حتى ائتلفوا و اجتمعوا و بنوا المدن و البلاد، و رتبوا المساكن و الدور
متجاورة متقاربة، و بنوا الاسواق و الخانات و سائر اصناف البقاع، و لو تفرقت
آراؤهم، و تنافرت طباعهم تنافر طباع الوحوش، لتبددوا و تباعدوا، و لم ينتفع
بعضهم ببعض، ثم لما كان في جبلة الانسان الغيظ و العداوة، و الحسد و المنافسة، و
الانحراف عن الحق، و ربما زالت المحبة بين البعض لاعراض، فيزدحمون عليها، و
يتنافسون فيها، و ربما ادى الى التنافر و التقابل. فبعث الله الانبياء
بالشرائع و القوانين ليرجعوا اليها عند التنازع، فيرتفع نزاعهم. ثم بعث العلماء الذين هم ورثة الانبياء لحفظ هذه الشرائع و العلم بها. و بعث الله
السلاطين حتى يقيموا الناس قهرا عليها لو ارادوا التخلف عنها، فسلط الله
السلاطين اولى القوة و العدة على الناس، و القى رعبهم في قلوبهم، و الهمهم اصلاح
العباد، بان رتبوا الرؤساء و القضاة و الحكام و السجن و الاسواق، و اضطروا
الخلق الى قانون الشرع و العدل، و الزموهم التآلف و التعاون، و منعوهم عن التفرق و
التباغض. فاصلاح الرعايا و الصناع بالسلاطين، و اصلاح السلاطين بالعلماء، و
اصلاح العلماء بالانبياء، و اصلاح الانبياء بالملائكة، و اصلاح الملائكة بعضهم ببعض،
الى ان ينتهى الى حضرة الربوبية، التي هي ينبوع كل نظام، و مطلع كل حسن و جمال، و
منشا كل ترتيب و تاليف. و قد ظهر مما ذكر: ان من فتش يعلم: ان رغيفا واحدا لا
يستدير بحيث يصلح للاكل ما لم يعمل عليه آلاف الوف من الملائكة و صناع الانس.
فصل
(تسخير الله التجار لجلب الطعام)
ثم جميع الاطعمة لما لم يمكن ان يوجد في كل مكان و بلد، اذ لكل واحد شروط مخصوصة
لاجلها، لا يمكن الا ان يوجد في بعض الاماكن دون بعض، و الناس منتشرون على وجه
الارض، و قد يبعد عنهم بعض ما يحتاجون اليه من الاطعمة، بحيث تحول بينهم و بينها
البراري و البحار، فسخر الله-تعالى-التجار، و سلط عليهم حرص المال و شره
الربح، حتى يقاسوا الشدائد، و يركبوا الاخطار في قطع المفاوز و ركوب البحار،
فيحملون الاطعمة و انواع الحوائج من الشرق الى الغرب، و من الغرب الى الشرق.
فانظر كيف علمهم الله صناعة السفن و كيفية الركوب فيها، و كيف خلق الحيوانات
و سخرها للحمل و الركوب في البوادي و الجبال، من الجمال و كيفية قطعها
البراري و المراحل تحت الاعباء الثقيلة و صبرها على الجوع و العطش، و من الخيل
و كيفية سرعة سيرها و حركاتها، و من الحمار و صبره على التعب، و انظر كيف خلق
الله ما يحتاج اليه السفن و هذه الحيوانات من الاسباب و الغذاء، و ينتهي
الى حد لا يمكن تحديده.
فصل
(نعم الله في خلق الملائكة للانسان)
ثم مجرد وجود الغذاء و حضوره و اصلاحه لا يفيد فائدة ما لم يؤكل و يصير جزء للبدن. و
هذا موقوف على اعمال كثيرة، محتاجة الى اسباب كثيرة، من الطحن، و الجذب، و
الهضم المعدي و الكبدى، و غير ذلك من الافعال التي يحتاج كل منها الى اسباب
كثيرة. و قد اشرنا الى لمعة من كيفية ذلك في باب التفكر، فارجع اليه. و هنا نشير
الى انموذج من نعمة الله في خلق الملائكة. فنقول: ان كثرة الملائكة لم تبلغ حدا يمكن تصوره تفصيلا او اجمالا، و لهم طبقات و اصناف:
منها: طبقات الملائكة الارضية. و منها: الملائكة السماوية. و منها: حملة العرش العظيم.
و منها: المسلسلون. و منها: المهيمنون. . . و غير ذلك مما لم نسمع اسمهم و رسمهم، و لا يحيط بهم الا الله
-سبحانه-. فكل صنع من صنائع الله في الارض و السماء لا يخلو عن ملك او ملائكة موكلين
به. فانظر كيف و كلهم الله بك فيما يرجع الى الاكل و الاغتذاء الذي كلامنا فيه،
دون ما يجاوز، و ذلك من صنائع الله و افعاله، و من الوحى الى الانبياء و
الهداية و الارشاد و غيرها، فان استقصاء ذلك ليس من مقدورات البشر. فنقول: ان كل
جزء من اجزاء بدنك، بل من اجزاء النبات، لا يغتذي الا بان يوكل به سبعة من الملائكة،
هم اقل الاعداد، الى عشرة الى مائة، الى اكثر من ذلك بمراتب. بيان ذلك: ان معنى الاغتذاء: ان يقوم جزء من الغذاء مقام جزء تلف من بدنك. و هذا
موقوف على حركات و تغيرات و استحالات للغذاء، حتى يصير جزء للبدن، كالجذب و
الهضم و صيرورته لحما و عظما. و معلوم ان الغذاء و الدم و اللحم اجسام ليست
لها قدرة و معرفة و اختيار حتى تتحرك و تتغير بانفسها. و مجرد الطبع لا يكفي في
ترددها في اطوارها، كما ان البر بنفسه لا يصير طحينا و عجينا و خبزا مطبوخا
الا بصناع، و الصناع في الباطن هم الملائكة، كما ان الصناع في الظاهر هم اهل البلد.
فالغذاء، بعد وضعه في الفم الى ان يصير دما، لا بد له من صناع من الملائكة، و لا نتعرض
لهم و لبيان عددهم، و نقول: بعد صيرورته دما الى ان يصير جزء للبدن، يتوقف على سبعة
من الملائكة، اذ لا بد من ملك يجذب الدم الى جوار اللحم و العظم، اذ الدم لا
يتحرك بنفسه، و لا بد من ملك آخر يمسك الغذاء في جواره، و لا بد من ثالث يخلع عنه
صورة الدم، و من رابع يكسوه صورة اللحم و العظم و العرق، و من خامس يدفع الفضل
الزائد من الحاجة، و من سادس يلصق ما اكتسب صفة اللحم باللحم، و ما اكتسب صفة
العظم بالعظم، و ما اكتسب صفة العرق بالعرق حتى لا يكون منفصلا، و لا بد من سابع
يراعى المقادير فى الالصاق، فيلحق بالمستدير على ما لا يبطل استدراته، و
بالعريض على ما لا يبطل عرضه، و بالمجوف على ما لا يبطل تجويفه، و هكذا. . . و
يراعى في الالصاق لكل عضو ما يليق به و يحتاج اليه. فلو جمع لانف الصبي-ملا-من
الغذاء ما يجمع على فخذه، لكبر انفه، و بطل تجويفه، و تشوهت صورته، بل ينبغي ان
يسوق الى الاجفان مع رقتها و الى الافخاذ مع غلظهتا، و الى الحدقة مع صفائها، و الى
العظم مع صلابته، ما يليق بكل واحد منها من حيث القدر و الشكل، و يراعى العدل في القسمة
و التقسيط، و الا بطلت الصورة، و تشوهت الخلقة، و رق بعض المواضع و ضعف البعض.
فمراعاة هذه الهندسة مفوضة الى ملك من الملائكة. و اياك و ان تظن ان الدم بطبعه
يهندس شكل نفسه، فان من احال هذه الامور الى الطبع جاهل و لا يدري ما يقول، فان
اراد من الطبع قوة عديمة الشعور، و يقول: ان كل فعل من هذه الافعال موكول الى قوة
لا شعور لها، فنقول: ذلك ادل على عظمة الله و حكمته و قدرته، اذ لا ريب في ان ما لا شعور له ليس في نفسه
ان يفعل فعلا ما، فضلا عن ان يفعل افعالا متقنة محكمة، مشتملة على الحكم الدقيقة و
المصالح الجلية و الخفية. فتكون هذه شروطا ناقصة لايجاد الله-سبحانه-هذه
الافعال بلا واسطة، او بواسطة عدد هذه القوى من الملائكة. و على اي تقدير، لا بد من
سبعة اشخاص من مخلوق الله-سبحانه-مسخرين في باطنك، موكلين بهذه الافعال، قد شغلوا
بك، و انت في النوم تستريح، و في الغفلة تتردد، و هم يصلحون الغذاء في باطنك و لا
خبر لك منهم، و كذلك في كل جزء من اجزائك التى لا تتجزا، حتى يفتقر بعض
الاجزاء-كالعين و القلب-الى اكثر من مائة ملك. ثم الملائكة الارضية مددهم من
الملائكة السماوية على ترتيب معلوم، لا يحيط بكنهه الا الله، و مدد الملائكة السماوية
من حملة العرش، و المنعم على جميعهم بالتاييد و التسديد و الهداية المهيمن القدوس،
المتفرد بالملك و الملكوت و العز و الجبروت. و من اراد ان يعلم-اجمالا-كثرة
الملائكة الموكلين بالسماوات و الارضين، و اجزاء النبات و الحيوانات، و
السحب و الهواء و البحار و الجبال و الامطار و غير ذلك، فليرجع في ذلك الى
الاخبار الواردة من الحجج-عليهم السلام-. ثم لا بد ان يفوض كل فعل من الافعال
السبعة المذكورة الى ملك من الملائكة، و يكون الموكل به ملكا واحدا على حدة، و لا
يمكن ان يفوض جميعها الى ملك واحد، كما لا يمكن ان يتولى انسان واحد سبعة اعمال
في الحنطة، كالطحن و تمييز النخالة، و دفع الفضلة عنه، و صب الماء عليه، و العجن، و
قطعها كسرات مدورة، و ترقيقها رغفانا عريضة، و الصاقها بالتنور. اذ الملك وحداني
الصفة، ليس فيه خلط و تركيب من المتضادات. فلا يكون لكل واحد منهم الا فعل واحد،
كما اشير اليه بقوله-تعالى-: «و ما منا الا له مقام معلوم » (5) . و لذلك، ليس بينهم تحاسد و تنافس. و مثالهم في تعيين مرتبة كل واحد منهم و عدم
مزاحمة الآخر له مثال الحواس الخمس، و ليس كالانسان الذي يتولى بنفسه امورا
مختلفة، و سبب ذلك اختلاف صفاته و دواعيه، فانه لما لم يكن وحداني الصفة لم يكن
وحداني الفعل، و لذلك ترى انه يطيع الله تارة و يعصيه اخرى. و ذلك غير موجود في
الملائكة، فانهم مجبولون على الطاعة لم تتصور في حقهم معصية، و لكل منهم طاعة خاصة
معينة. فالراكع منهم راكع ابدا، و الساجد منهم ساجد دائما، و القائم منهم قائم ابدا، لا
اختلاف في افعالهم و لا فتور، و لكل واحد منهم مقام معلوم. و اذ قد ظهر لك عدد ما يحتاج اليه بعض افعال مجرد الاغتذاء من الملائكة الارضية
المستمدين من الملائكة السماوية، فقس عليه سائر افعال الاغتذاء، و سائر افعالك
الباطنة و الظاهرة، فان بيان ذلك ليس ممكنا. ثم قس على ذلك اجمالا جملة صنائع الله
و افعاله الواقعة في عالمي الجبروت و الملكوت، و عالم الملك و الشهادة،
فسماواته و ارضه و ما بينهما و ما تحتهما و ما فوقهما، فان اعداد الملائكة و
الموكلين بها غير متناهية، كيف و مجامع طبقات الملائكة و انواعهم خارجة عن
الاحصاء، فضلا عن الآحاد الداخلة تحت الطبقات؟ و قد ظهر مما عرفت من توقف كل نعمة على نعم كثيرة متسلسلة، الى ان ينتهي الى الله،
و اتصال البعض بالبعض و وقوع الارتباط و الترتب بينهما: ان من كفر نعمة الله
فقد كفر كل نعمة فى الوجود، فمن نظر الى غير محرم-مثلا-فقد كفر، ففتح العين نعمة
الله في الاجفان، و لا تقوم الاجفان الا بالعين، و لا العين الا بالراس، و لا
الراس الا بجميع البدن، و لا البدن الا بالغذاء، و لا غذاء الا بالماء و الارض و
الهواء و المطر و الغيم و الشمس و القمر و سائر الكواكب، و لا يقوم شي ء من ذلك الا
بالسماوات و لا السماوات الا بالملائكة. فان الكل كالشي ء الواحد، يرتبط البعض
منه بالبعض ارتباط اعضاء البدن بعضها ببعض. فاذن قد كفر كل نعمة فى الوجود، من
ابتداء الثرى الى منتهى الثريا. و حينئذ لا يبقى جماد و لا نبات و لا حيوان، و لا
ماء و لا هواء، و لا كوكب و لا فلك و لا ملك، الا يلعنه. و لذلك ورد في الاخبار: «ان البقعة التي يجتمع فيها الناس، اما تلعنهم اذا
تفرقوا، او تستغفر لهم » . و كذلك ورد: «ان الملائكة يلعنون العصاة » . و ورد: «ان العالم يستغفر له كل شي ء، حتى الحوت في البحر» . و امثال هذه
الاخبار الدالة على ما يفيد المراد خارجة بطرفه عن الاحصاء، و كل ذلك اشارة
الى ان العاصي بتطريفة واحدة يجنى على جميع الملك و الملكوت. ثم جميع ما ذكرناه انما يتعلق بجزء من المطعم، فاعتبر ما سواه. ثم تامل هل
يمكن ان يخرج احد عن عهدة الشكر؟ كيف و لله في كل طرفة على كل عبد من عبيده نعم
كثيرة خارجة عن الاحصاء؟ فان في كل نفس ينبسط و ينقبض نعمتين، اذ بانبساطه
يخرج الدخان المحترق من القلب، و لو لم يخرج لهلك، و بانقباضه يجتمع روح الهواء
الى القلب، و لو لم يدخل نسيم الهواء فيه لانقطع قلبه و هلك. و لما كان اليوم و
الليلة اربعا و عشرين ساعة، و في كل ساعة يوجد الف نفس تخمينا، و اذا اعتبرت ذلك
و قست عليه سائر النعم، يكون عليك في كل يوم و ليلة آلاف الوف نعمة في كل جزء من اجزاء
بدنك، بل في كل جزء من اجزاء العالم، و كيف يمكن احصاء ذلك، و لذلك قال الله-تعالى-:
«و ان تعدوا نعمة الله لا تحصوها» (6) و ورد: «ان من لم يعرف نعمة الله الا في مطعمه و مشربه، فقد قل علمه و حضر عذابه » .
فالبصير لا تقع عينه في العالم على شي ء، و لا يلم خاطره بموجود، الا و يتحقق ان لله
فيه نعمة عليه. و لذلك قال موسى بن عمران: «الهي! كيف اشكرك و لك علي في كل شعرة من جسدي نعمتان: ان لينت اصلها، و ان طمست
راسها» .
فصل
(الاسباب الصارفة للشكر)
اعلم ان السبب الصارف لاكثر الخلق عن الشكر، اما قصور معرفتهم بان النعم كلها
من الله-سبحانه-، او قصور معرفتهم و احاطتهم بصنوف النعم و آحادها، او جهلهم
بحقيقة الشكر و كونه استعمال النعمة في اتمام الحكمة التى اريدت بها و ظنهم ان
حقيقة الشكر مجرد ان يقولوا بلسانهم: الحمد لله، او الشكر لله، او الغفلة الناشئة عن
غلبة الشهوة و استيلاء الشيطان، بحيث لا يتنبهون للقيام بالشكر، كما في سائر
الفضائل و الطاعات، او عدم احتسابهم للجهل ما يعم الخلق و يشملهم في جميع
الاحوال من النعم نعمة. و لذلك لا يشكرون على جملة من النعم، لكونها عامة للخلق، مبذولة لهم في جميع الحالات.
فلا يرى كل واحد لنفسه اختصاصا بها، فلا يعدها نعمة. و تاكد ذلك بالفهم و
اعتيادهم بها، فلا يتصورون خلاف ذلك، و يظنون ان كل انسان يلزم ان يكون على هذه
الاحوال. فلذلك تراهم لا يشكرون الله على روح الهواء، و وفور الماء، و صحة البصر و
السمع، و امثال ذلك. و لو اخذ يمحقهم، حتى انقطع عنهم الهواء، و حبسوا في
يت حمام فيه هواء حار، او بئر فيها هواء تقبل رطوبة الماء، ماتوا. فان ابتلى
واحد بشي ء من ذلك، ثم نجى منه، ربما قدر ذلك نعمة و شكر الله عليه. و كذا البصير،
اذا عميت عينه، ثم اعيد عليه بصره، عده نعمة و شكره، و لو لم يبتل بالعمى و كان
بصيرا دائما كان غافلا عن الشكر. و هذا غاية الجهل، اذ شكرهم صار موقوفا على ان
تسلب منهم النعمة ثم ترد عليهم في بعض الاحوال، مع ان النعمة في جميع الاحوال اولى
بالشكر. فلما كانت رحمة الله واسعة قد عمت الخلق في جميع احوالهم لم يعدها الجاهلون
نعمة. و مثلهم كمثل العبد السوء الذى لو لم يضرب بطرو ترك الشكر، و اذا ضرب فى
غالب الاحوال ترك ساعة شكر المولى على ذلك. و من تامل يعلم ان نعمة الله عليه في
شربة ماء عند عطشه اعظم من ملك الارض كلها. كما نقل: «ان بعض العلماء دخل على بعض
الخلفاء، و في يده كوز ماء يشربه، فقال له: عظنى. فقال: لو لم تعط هذه الشربة الا ببذل
اموالك و ملكك كله، و لو لم تعطه بقيت عطشانا، فهل تعطيه؟ قال: نعم! قال: فكيف تفرح
بملك لا يساوي شربة ماء؟ ! » . هذا مع ان كل عبد لو امعن النظر في حاله، لراى من الله
نعمة او نعما كثيرة تخصه لا يشاركه فيها احد، او يشاركه يسير من الناس، اما في
العقل، او في الخلق، او في الورع و التقوى، او فى الدين، او في صورته و شخصه، او
اهله و ولده، او مسكنه و بلده، او رفقائه و اقاربه، او عزه و جاهه، او طول عمره و صحة
جسمه، او غير ذلك من محابه. بل نقول: لو كان احد لا يكون مخصوصا بشي ء من ذلك، فلا
ريب في انه يعتقد في نفسه اختصاصه و مزيته في بعض هذه على سائر الخلق. فان اكثر
الناس يعتقدون كونهم اعقل الناس، او احسن اخلاقا منهم، مع ان الامر ليس كذلك. و
لذلك لا يشكون من نقصان العقل كما يشكون من قلة المال، و لا يسالون الله ان يعطيهم
العقل كما يسالون منه زيادة المال، و يرى من غيره عيوبا يكرهها و اخلاقا يذمها، و
لا يرى ذلك من نفسه. و بالجملة: كل احد يقدر في نفسه من المحاب و صفة الكمال ما لا
يراه فى غيره، و ان لم يكن مطابقا للواقع. و لذلك لو خير بان يسلب منه ماله و يعطى
ما خصص به غيره، لكان لا يرضى به. بل التامل يعطى: ان كل واحد من اكثر الناس لا يرضى
ان يكون في جميع الصفات و الافعال و الدين و الدنيا مثل شخص آخر من الناس كائنا
من كان، بل لو و كل اليه الاختيار، و قيل له: انت مخير في صيرورتك مثل من شئت و
اردت من افراد الناس، لم يخير الا نفسه. و الى هذا اشار الله-سبحانه-بقوله: «كل حزب بما لديهم فرحون » (7) و اذا كان الامر هكذا، فانى له لا يشكر الله على ذلك مع قطع النظر عن النعم العامة؟
و لو لم يكن لشخص من نعم الله الا الامن و الصحة و القوة، لعظمت النعمة في حقه و لم
يخرج عن عهدة الشكر. قال رسول الله (ص) : «من اصبح آمنا في سربه، معافى في بدنه، و عنده
قوت يومه، فكانما خيرت له الدنيا بحذا فيرها» . و مهما فتشت الناس، لوجدتهم
يشكون عن امور وراء هذه الثلاث، مع انها و بال عليهم. بل لو لم تكن للانسان نعمة
سوى الايمان الذي به وصوله الى النعيم المقيم و الملك العظيم، لكان جديرا به ان
يستعظم النعمة و يصرف في الشكر عمره. بل ينبغي للعاقل الا يفرح الا بالمعرفة و اليقين
و الايمان. و نحن نعلم من العلماء من لو سلم اليه جميع ما دخل تحت ملوك الارض من
الشرق الى الغرب، من اموال و اتباع، و انصار و بلدان و ممالك، بدلا عن عشر عشير
من علمه لم ياخذه، لرجائه ان نعمة العلم تفضي به الى قرب الله-تعالى-في الآخرة. بل
لو سلم اليه جميع ذلك عوضا عن لذة العلم في الدنيا، مع نيله في الآخرة الى ما
يرجوه، لم ياخذه و لم يرض به، لعلمه بان لذة العلم دائمة لا تنقطع، و ثابتة لا تسرق و
لا تغصب، و صافية لا كدورة فيها، بخلاف لذات الدنيا.
فصل
(طريق تحصيل الشكر)
الطريق الى تحصيل الشكر امور: الاول-المعرفة و التفكر في صنائعه-تعالى-، و ضروب نعمه الظاهرة و الباطنة و العامة
و الخاصة. الثاني-النظر الى الادنى في الدنيا و الى الاعلى في الدين. الثالث-ان يحضر المقابر، و يتذكر ان احب الاشياء الى الموتى و اهم سؤالهم و
دعواهم من الله ان يردوا الى الدنيا، و يتحملوا ضروب الرياضات و مشاق
العبادات في الدنيا، ليتخلصوا في الآخرة من العذاب، او يزيد ثوابهم و ترتفع
درجاتهم. فليقدر نفسه منهم مع اجابة دعوته و رده الى الدنيا، فليصرف بقية عمره
فيما يشتهي اهل القبور العود لاجله. الرابع-ان يتذكر بعض ما ورد عليه في بعض ايام عمره من المصائب العظيمة و
الامراض الصعبة التي ظن هلاك نفسه بها، فليتصور انه هلك بها، و يغتنم الآن
حياته و ماله من النعم، فليشكر الله على ذلك، و لا يتالم و لا يحزن من بعض ما يرد
عليه مما ينافي طبعه. الخامس-ان يشكر في كل مصيبة و بلية من مصائب الدنيا من حيث انه لم تصبه مصيبة
اكبر منها، و انه لم تصبه مصيبة في الدين. و لذلك قال عيسى (ع) في دعائه: «اللهم لا
تجعل مصيبتي في ديني! » . و قال رجل لبعض العرفاء: «دخل اللص في بيتي و اخذ متاعي »
فقال له: «اشكر الله لو كان الشيطان يدخل بدله في قلبك و يفسد توحيدك، ماذا كنت تصنع؟
» . و من حيث ان كل مصيبة انما هي عقوبة لذنب صدر منه، فاذا حلت به هذه العقوبة حصلت له
النجاة من عقوبة الآخرة، كما قال رسول الله (ص) : «ان العبد اذا اذنب ذنبا فاصابته شدة او بلاء في الدنيا. فالله اكرم من ان
يعذبه ثانيا» . و قد ورد هذا المعنى بطرق متعددة من ائمتنا-عليهم السلام-ايضا،
فليشكر الله على تعجيل عقوبته و عدم تاخيرها الى الآخرة. و من حيث ان هذه
المصيبة كانت مكتوبة آتية اليه البتة، فقد اتيت و فرغ منها. و من حيث ان
ثوابها اكثر منها و خير له، لما ياتي في باب الصبر من عظم مثوبات الابتلاء
بالمصائب في الدنيا. و من حيث انها تنقص في القلب حب الدنيا و الركون اليها، و
تشوق الى الآخرة و الى لقاء الله سبحانه. اذ لا ريب في ان من اتاه النعم في
الدنيا على وفق المراد، من غير امتزاج ببلاء و مصيبة، يورث طمانينة للقلب الى
الدنيا و انسابها، حتى تصير كالجنة في حقه، فيعظم بلاؤه عند الموت بسبب مفارقته،
و اذا كثرت عليه المصائب انزعج قلبه عن الدنيا و لم يانس بها، و صارت الدنيا
سجنا عليه، و كانت نجاته منها كالخلاص من السجن. و لذلك قال رسول الله (ص) : «الدنيا سجن المؤمن و جنة الكافر» . فمحن الدنيا و
مصائبها و رياضاتها توجب انزعاج النفس عنها، و التفاتها الى عالمها الاصلى،
و تشوقها الى الخروج عنها اليه و رغبتها الى لقاء الله و ما اعد في الدار الآخرة
لاهلها. فان قلت: غاية ما يتصور في البلاء ان يصبر عليه، و اما الشكر عليه فغير متصور،
اذ الشكر انما يستدعي نعمة و فرحا، و البلاء مصيبة و الم، فكيف يشكر عليه؟ و على
هذا ينبغي الا يجتمع الصبر و الشكر على شي ء واحد، اذ الصبر يستدعي بلاء و الما، و
الشكر يستدعي نعمة و فرحا، فهما متضادان غير مجتمعين، فكيف حكمتم باجتماعهما
في المصائب و البلايا الدنيوية؟ قلنا: كل واحد من النعمة و البلاء ينقسم الى مطلق و
مقيد. فالنعمة المطلقة كسعادة الآخرة و العلم و الايمان و الاخلاق الحسنة في الدنيا، و
النعمة المقيدة في الدنيا-اي ما هو نعمة و صلاح من وجه و بلاء و فساد من وجه-
كالمال الذي يصلح الدين من وجه و يفسده من وجه. و البلاء المطلق، كشقاوة الآخرة و
الكفر و الجهل و الاخلاق السيئة و المعاصي في الدنيا، و البلاء المقيد، كمصائب
الدنيا، من الفقر و الخوف و المرض و سائر اقسام المحن و المصائب، فانها و ان
كانت بلاء في الدنيا، و لكنها نعم في الآخرة. و عند التحقيق لا تخلو عن تكفير الخطيئة، او رياضة النفس، او زيادة التجرد، او رفع
الدرجة. فالنعمة المطلقة بازائها الشكر المطلق، و لا معنى لاجتماع الصبر معه، و
الصبر الذي يجتمع معه لا ينافيه، كما ياتي. و البلاء المطلق لم يؤمر بالصبر عليه،
اذ لا معنى للصبر على الكفر و المعصية، بل يجب عدم الصبر عليه و السعى في تركه. و
اما البلاء المقيد، فهو الذي يجتمع فيه الصبر و الشكر، و ليس اجتماعهما من جهة
واحدة حتى يلزم اجتماع الضدين، بل الصبر من حيث ايجابه الاغتمام و الالم
في الدنيا، و الشكر من حيث ادائه الى سعادة الآخرة و غيرها مما ذكر. ثم لو لم يصبر على جهة شريفة، و لم يشكر على جهة خيريته، صار بلاء مطلقا لزم تركه
بالرجوع الى الصبر و الشكر. و اما النعمة المقيدة، كالمال و الثروة، فان ادت
الى اصلاح الدين كانت نعمة مطلقة يجب عليها الشكر و لم يكن محلا للصبر، و ان ادت
الى فساده كانت بلاء مطلقا واجب الترك، و ان ادت الى بلاء الدنيا، كان يصير
ماله سببا لهلاك اولاده و فساد مزاجه، و يصير فوته باعثا لابتلائه ببعض
المصائب الدنيوية، كان حكمه حكم البلاء المقيد. ثم ياتى في باب الصبر: ان الصبر
قد يكون على الطاعة و على المعصية، و فيهما يتحقق الشكر و الصبر، اذ الشكر-كما
عرفت-هو عرفان النعمة من الله و الفرح به، و صرف النعمة الى ما هو المقصود منها
بالحكمة، و الصبر-كما ياتي- هو ثبات باعث الدين، اعني العقل النظري، في مقابلة
باعث الهوى، اعني القوة الشهوية. و لا ريب في انه في اداء الطاعة و ترك المعصية
يتحقق الثبات المذكور، اذ هو صرف النعمة الى ما هو المقصود، اذ باعث الدين
انما خلق لحكمة دفع باعث الهوى، و قد صرفه الى مقصود الحكمة. و انت خبير بانه و ان
تحقق الشكر و الصبر في هذه الطاعة و ترك هذه المعصية، الا ان ما تصبر عليه هو هذه
الطاعة و ترك هذه المعصية، اذ الصبر انما هو عليهما، و اما الشكر فعلى باعث
الدين، اعني العقل الباعث لهذه الطاعة و ترك هذه المعصية، فالمشكور عليه هو باعث
الدين دون نفس الطاعة و ترك هذه المعصية، فاختلف فيهما الصبر و الشكر في المتعلق،
اي ما يصبر عليه و ما يشكر عليه، و اتحدا في فعل الصبر و الشكر، اذ فعل الصبر هو
الثبات و المقاومة، و هو عين الطاعة و ترك المعصية، و فعل الشكر هو صرف النعمة في
مقصود الحكمة، و هو ايضا عين الطاعة و ترك المعصية. و يمكن ان يقال: ان من فعل هذه
الطاعة، و ترك هذه المعصية، عرف كونهما من الله و فرح به، و يعمل طاء اخرى شكرا له. و على هذا فيتحد متعلقا الشكر و الصبر في هذه الطاعة و ترك هذه المعصية، اعنى
المشكور عليه و ما يصبر عليه، اذ هما نفس هذه الطاعة و ترك هذه المعصية بعينها، و
يختلف فعلاهما. اذ فعل الصبر هو هذه الطاعة و ترك هذه المعصية، و فعل الشكر تحميد
او طاعة اخرى.
فصل
(الصحة خير من السقم)
لا تظنن مما قرع سمعك من فضيلة البلاء و ادائه الى سعادة الابد انه خير من
العافية في الدنيا، بل مع ذلك كله العافية في الدنيا خير من البلاء و المصيبة
فيها، فاياك ان تسال من الله البلايا و المصائب في الدنيا، فان رسول الله (ص)
كان يستعيذ في دعائه من بلاء الدنيا و بلاء الاخرة، و كان يقول هو و الانبياء و
الاوصياء-عليهم السلام-: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة، و في الآخرة حسنة » ، و كانوا
يستعيذون من شماتة الاعداء و سوء القضاء. و قال (ص) . «سلوا الله العافية، فما اعطى عبد افضل من العافية الا اليقين » ، و اشار
باليقين الى عافية القلب من الجهل و الشك، و هو اعلى و اشرف من عافية البدن. و
قال (ص) فى دعائه: «و العافية احب الي » . و بالجملة: هذا اظهر من ان يحتاج الى الاستشهاد. اذ البلاء انما يصير نعمة
بالاضافة الى ما هو اكثر منه في الدنيا و الآخرة، و بالاضافة الى ما يرجى من
الثواب في الآخرة، و من حيث يوجب تجرد النفس و انقطاعها من الدنيا و ميلها الى
الآخرة. فينبغي ان يسال تمام النعمة في الدنيا، و الثواب في الآخرة على شكر المنعم،
و التجافي عن دار الغرور، و الانابة الى دار الخلود، فانه قادر على اعطاء الكل،
و ما نقل عن بعض العارفين، من سؤالهم المصائب و البلاء، كما قال بعضهم: «اود ان
اكون جسرا على النار يعبر على الخلق كلهم فينجون، و اكون انا في النار» ، و قال
سمنون المحب: «و ليس لي في سواك حب، فكيفما شئت فاختبرني » ، فمبناه على غلبة الحب،
بحيث يظن المحب بنفسه انه يحب البلاء. و مثل ذلك حالة تعتريه، و ليس لها حقيقة.
فان من شرب كاس المحبة سكر، و من سكر توسع في الكلام، و لما زال سكره علم ان ما
غلب عليه كانت حالة لا حقيقة. فما تسمعه من هذا القبيل فهو كلام العشاق الذين
افرط حبهم، و كلام العشاق يستلذ سماعه و لا يعول عليه. و قد روى: «ان فاختة كان يراودها زوجها فتمنعه، فقال: ما الذي يمنعك عنى، و لو اردت ان
اقلب لك ملك سليمان ظهرا لبطن لفعلته لاجلك؟ فسمع ذلك سليمان (ع) ، فطلبه و
عاتبه في ذلك، فقال. يا نبي الله كلام العشاق لا يحكى » . و نقل: «ان سمنون المحب بعد ما قال البيت المذكور، ابتلى بمرض الحصر، فكان يصيح و
يجزع، و يسال الله العافية، و يظهر الندامة مما قال، و يدور على ابواب المكاتب، و
يقول للصبيان: ادعوا لعمكم الكذاب » . و الحاصل: ان صيرورة البلاء احب عند بعض
المحبين من العافية، لاستشعارهم رضا المحبوب لاجله، و كون رضاه عندهم احب و الذ
من العافية انما يكون في غليان الحب، فلا يثبت و لا يدوم. و مع ذلك كله، فاعلم
ان الظاهر من بعض الاخبار الآتية في باب الصبر: ان في الجنان درجات عالية لا
يبلغها احد الا بالمصائب الدنيوية و الصبر و الشكر عليها، و يؤيده ابتلاء اكابر
النوع، من الانبياء و الاولياء، بالمصائب العظيمة في الدنيا، و ما ورد من ان اعظم
البلاء موكل بالانبياء ثم بالاولياء، ثم بالامثل فالامثل في درجات العلاء و
الولاء. و على هذا، فالظاهر اختلاف اصلحية كل من البلاء و العافية باختلاف
مراتب الناس. فمن كان قوى النفس صابرا شاكرا في البلاء، و لم يصده عن الذكر و
الفكر و الحضور و الانس و الطاعات و الاقبال عليها، و لم يصر باعثا لنقصان الحب
لله، فالبلاء في حقه افضل في بعض الاوقات، اذ بازائه فى الآخرة من عوالي
الدرجات ما لا يبلغ بدونه، و من كان له ضعف نفس يوجب ابتلاءه بالمصائب جزعا او
كفرانا، او منعه عن شي ء مما ذكر، فالعافية اصلح في حقه، و ربما كان البلاء مما منعه
من الوصول الى المراتب العظيمة، فلا ريب في ان العافية و عدم هذا البلاء افضل
و اعلى منه. فان البصير الذي توسل بعينيه الى النظر الى عجائب صنع الله، و توصل به
الى معرفة الله، و تمكن لاجل العينين الى مطالعة العلوم و تصنيف الكتب الكثيرة
من انواع العلوم، و تبقى آثاره العلمية على مر الدهور، و ينتفع من علومه الناس
ابدا، و ربما بلغ لاجل العينين الى غاية درجات المعرفة و القرب و الحب و الانس و
الاستغراق، و لو لا وجود العينين له لم يبلغ الى شي ء من ذلك، فلا ريب في ان وجود
البصر لمثله افضل و اصلح من عدمه، و لو لا ذلك لكانت رتبة شعيب مثلا-و قد كان
ضريرا من بين الانبياء-فوق رتبة موسى و ابراهيم و غيرهما-عليهم السلام-لانه
صبر على فقد البصر، و موسى لم يصبر عليه، و لكان الكمال في ان يسلب الانسان
الاطراف كلها و يترك كلحم على و ضم. و هذا باطل، فان كل واحد من الاعضاء آلة في
الدين، فيفوت بفواتها ركن من الدين. و يدل على ذلك ما ورد في عدة من الاخبار:
«ان كل ما يرد على المؤمن من بلاء او عافية او نعمة او بلية، فهو خير له و اصلح في
حقه » ، و ما ورد في بعض الاحاديث القدسية: «ان بعض عبادي لا يصلحه الا الفقر و المرض،
فاعطيته ذلك، و بعضهم لا يصلحه الا الغنى و الصحة، فاعطيته ذلك » . و بذلك يجمع
بين اخبار العافية و اخبار البلاء. و منها:
الجزع
و هو اطلاق دواعي الهوى، من الاسترسال في رفع الصوت، و ضرب الخدود، و شق الجيوب،
او ضيق الصدر و التبرم و التضجر. و هو و ان كان من نتائج ضعف النفس و صغرها
الذي من رذائل القوة الغضبية فقط، الا انه لما كان ضده الصبر، و له اقسام بعضها
من متعلقات القوة الشهوية-كما ياتى- فلذلك لم نذكره في متعلقات قوة الغضب فقط،
بل ذكرناه هنا. ثم الجزع في المصائب من المهلكات، لانه في الحقيقة انكار لقضاء
الله، و اكراه لحكمه، و سخط على فعله. و لذا قال رسول الله (ص) : «الجزع عند البلاء
تمام المحنة » . و قال (ص) : «ان عظم الجزاء مع عظم البلاء، و ان الله اذا احب قوما
ابتلاهم، فمن رضى فله الرضا، و من سخط فله السخط » . و في الخبر القدسى: «من لم يرض بقضائي، و لم يشكر على نعمائي، و لم يصبر على بلائي، فليطلب ربا سواى » . و
روى: «ان زكريا لما هرب من الكفار، و اختفى في الشجرة، و عرفوا ذلك، جاؤا
بالمنشار فنشرت الشجرة حتى بلغ المنشار راس زكريا، فان انة، فاوحى الله اليه:
يا زكريا! لئن صعدت منك انة ثانية لامحونك من ديوان النبوة! فعض زكريا (ع) على
اصبعه حتى قطع شطرين » . و بالجملة: العاقل يعلم ان الجزع في المصائب لا فائدة فيه، اذ ما قدر يكون، و الجزع لا يرده. و
لا ريب في انه يترك الجزع بعد مضي مدة، فليتركه اولا حتى لا يضيع اجره. و قد نقل: «انه
مات ابن لبعض الاكابر، فعزاه مجوسي، و قال له: ينبغي للعاقل ان يفعل اليوم ما
يفعله الجاهل بعد خمسة ايام. فقال: اكتبوه عنه » . و قال الصادق (ع) : «الصبر يظهر ما في بواطن العباد من النور و
الصفاء، و الجزع يظهر ما في بواطنهم من الظلمة و الوحشة. و الصبر يدعيه كل احد و ما
يثبت عنده الا المخبتون، و الجزع ينكره كل احد و هو ابين على المنافقين، لان نزول
المحنة و المصيبة يخبر عن الصادق و الكاذب. و تفسير الصبر ما يستمر مذاقه، و ما كان عن اضطراب لا يسمى صبرا. و تفسير الجزع اضطراب القلب و تحزن الشخص، و تغير اللون و الحال. و كل نازلة خلت
اوائلها من الاخبات و الانابة و التضرع الى الله فصاحبها جزوع غير صابر. و
الصبر ما اوله مر و آخره حلو، من دخله من اواخره فقد دخل، و من دخله من اوائله فقد
خرج. و من عرف قدر الصبر لا يصبر عما منه الصبر، قال الله-تعالى-في قصة موسى و
الخضر-عليهما السلام-: فكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا، فمن صبر كرها، و لم يشك الى الخلق، و لم يجزع
بهتك ستره، فهو من العام، و نصيبه ما قال الله-عز و جل-: «و بشر الصابرين » : اي بالجنة و المغفرة. و من استقبل البلاء بالرحب، و صبر على
سكينة و وقار، فهو من الخاص، و نصيبه ما قال الله-عز و جل-: «ان الله مع الصابرين » » (8) .
فصل
الصبر-مراتب الصبر-اقسام الصبر...
الصبر-مراتب الصبر-اقسام الصبر-فضيلة الصبر-الصبر على السراء-اختلاف
مراتب الصبر في الثواب-طريق تحصيل الصبر-التلازم بين الصبر و
الشكر-القانون الكلي فى معرفة الفضائل-تفضيل الصبر على الشكر. ضد الجزع (الصبر) ، و هو ثبات النفس و عدم اضطرابها في الشدائد و المصائب، بان
تقاوم معها، بحيث لا تخرجها عن سعة الصدر و ما كانت عليه قبل ذلك من السرور و
الطمانينة، فيحبس لسانه عن الشكوى، و اعضاءه عن الحركات الغير المتعارفة. و
هذا هو الصبر على المكروه، و ضده الجزع. و له اقسام اخر لها اسماء خاصة تعد فضائل اخر: كالصبر في الحرب، و هو من انواع
الشجاعة، و ضده الجبن. و الصبر في كظم الغيظ، و هو الحلم، و ضده الغضب. و الصبر
على المشاق، كالعبادة، و ضده الفسق، اي الخروج عن العبادات الشرعية. و الصبر على
شهوة البطن و الفرج من قبائح اللذات، و هي العفة، و اليه اشير فى قوله-سبحانه-: «و اما من خاف مقام ربه و نهى النفس عن الهوى، فان الجنة هي الماوى » (9) . و ضده الشره. و الصبر عن فضول العيش، و هو الزهد، و ضده الحرص. و الصبر في كتمان
السر، و ضده الاذاعة، و الاولان، كالصبر على المكروه من فضائل قوة الغضب. و
الرابع، من نتائج المحبة و الخشية. و البواقي، من فضائل قوة الشهوة-كما ياتي-. و بذلك يظهر: ان من عد الصبر مطلقا
من فضائل القوة الشهوية او القوة الغضبية انما اراد به بعض اقسامه. و يظهر من ذلك: ان اكثر اخلاق الايمان داخل في الصبر. و لذلك لما سئل رسول الله
(ص) عن الايمان، قال: «هو الصبر، لانه اكثر اعماله و اشرفها» ، كما قال: «الحج
عزم » . و قد عرف مطلق الصبر بانه مقاومة النفس مع الهوى، و بعبارة اخرى: انه ثبات
باعث الدين في مقابلة باعث الهوى. و المراد بباعث الدين هو العقل النظري الهادي
الى طريق الخير و الصلاح، و العقل العملي المنفذ لاحكامه المؤدية الى الفوز و الفلاح.
و المراد بباعث الهوى هو قوة الشهوة الخارجة عن اطاعة العقل. و القتال دائما
بين الباعثين قائم، و الحرب بينهما ابدا سجال (10) ، و قلب العبد معركته، و مدد
باعث الدين من الملائكة الناظرين لحزب الله، و مدد باعث الهوى من الشياطين
الناصرين لاعداء الله، فان ثبت باعث الدين بامداد الملائكة حتى قهر باعث الهوى
و استمر على مخالفته، غلب حزب الله و التحق بالصابرين، و ان تحاول و ضعف حتى غلب
باعث الهوى بامداد الشياطين و لم يصبر على دفعه، التحق باتباع الشياطين. و
عمدة ما يثبت به باعث الدين هي قوة المعرفة، اي اليقين بكون الهوى عدوا قاطعا
لطريق الوصول الى الله مضادا لاسباب السعادات في الدنيا و الاخرة. ثم باعث
الدين اما يقهر داعي الهوى بالكلية، بحيث لا تبقى له قوة المنازعة، فيدوم الصبر،
و تستقر النفس في مقام الاطمئنان، و تنادي من وراء سرادقات الجمال بخطاب: « «يا ايتها النفس المطمئنة! ارجعي الى ربك راضية مرضية » » ، فتدخل في زمرة الصديقين
السابقين، و تنسلك في سلك عباده الصالحين. او يغلب داعى الهوى و ينقهر باعث
الدين، بحيث لا تبقى له قوة المنازعة، و يياس عن المجاهدة و المقاومة، فتسلم
نفسه الشريفة الملكوتية التي هي سر الله و وديعته الى حزب الشيطان. و مثله مثل من
اخذ اعز اولاده المتصف بجميع الكمالات، و يسلمه الى الكفار من اعدائه،
فيقتلونه لديه، و يحرقونه بين يديه، بل هو اسوا حالا منه بمراتب-كما لا يخفى-. اذ
لا يكون لاحدهما الغلبة التامة، بل يكون بينهما تنازع و تجاذب، فتارة يغلب هذا،
و تارة يغلب ذاك، فتكون النفس في مقام المجاهدة الى ان يغلب احد الباعثين،
فتدخل في حزب الله او حزب الشيطان. ثم غلبة احد الباعثين على الآخر اما ان تكون
في جميع مقتضياته او بعضها، و تخرج من القسمين ثلاثة احوال: الاولى-ان يغلب باعث الدين على جميع الشهوات في جميع الاوقات. الثانية-ان يغلب عليه الجميع في الجميع. الثالثة-ان يغلب على بعض دون بعض في الجميع، او يغلب عليها كلا او بعضا دون بعض.
و قد اشير الى اهل الحالة الاولى في الكتاب الالهي بقوله-تعالى-: «يا ايتها
النفس المطمئنة. . . » الى آخر الآية (11) . و الى الثانية بقوله: «و لكن حق القول مني لاملان جهنم من الجنة و الناس اجمعين » (12) .
و الى الثالثة بقوله: «خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا عسى الله ان يتوب عليهم » (13) .
فصل
(مراتب الصبر)
الصبر على المكروه و مشاق العبادات و عن ترك الشهوات ان كان بيسر و سهولة فهو
الصبر حقيقة، و ان كان بتكلف و تعب فهو التصبر مجازا. و اذا ادام التقوى و
قوى التصديق بما في العاقبة من الحسنى، تيسر الصبر و لم يكن له تعب و مشقة، كما
قال الله-سبحانه-: «فاما من اعطى و اتقى، و صدق بالحسنى، فسنيسره لليسرى » (14) . و متى تيسر الصبر و صار ملكة راسخة اورث مقام الرضا، و اذا ادام مقام الرضا
اورث مقام المحبة. و كما ان مقام المحبة اعلى من مقام الرضا، فكذلك مقام
الرضا اعلى من مقام الصبر. و لذلك قال رسول الله (ص) : «اعبد الله على الرضا، فان لم تستطع ففي الصبر على ما تكره خير كثير» . قال بعض العارفين: «اهل الصبر على ثلاث مقامات: الاول: ترك الشكوى، و هذه درجة
التائبين. الثاني: الرضا بالمقدر، و هذه درجة الزاهدين. الثالث: المحبة لما يصنع
به مولاه، و هذه درجة الصديقين » . و كان هذا الانقسام مخصوص بالصبر على المكروه من المصائب و المحن. ثم باعث
الصبر اما اظهار الثبات و طمانينة القلب عند الناس، ليكون عندهم مرضيا، كما نقل
عن معاوية: انه اظهر البشاشة، و ترك الشكوى في مرض موته، و قال: و تجلدي للشامتين اريهم
اني لريب الدهر لا اتزعزع و هذا صبر العوام، و هم الذين يعملون ظاهرا من الحياة
الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون. او توقع الثواب و نيل الدرجات الرفيعة في دار
الآخرة، و هذا صبر الزهاد و المتقين، و اليه الاشارة بقوله-تعالى-: «انما يوفى الصابرون اجرهم بغير حساب » (15) . او الالتذاذ و الابتهاج بورود المكروه من الله-سبحانه-. اذ كل ما يرد من
المحبوب محبوب، و المحب يشتاق الى التفات محبوبه و يرتاح به، و ان كان ما
يؤذيه ابتلاء و امتحانا له، و هذا صبر العارفين، و اليه الاشارة بقوله-تعالى-:
«و بشر الصابرين، الذين اذا اصابتهم مصيبة قالوا انا لله و انا اليه راجعون،
اولئك عليهم صلوات من ربهم و رحمة » (16) . و قد ورد: ان الامام محمد بن علي الباقر-عليهما السلام-قال لجابر ابن عبد الله
الانصاري-و قد اكتنفته علل و اسقام، و غلبه ضعف الهرم-: «كيف تجد حالك؟ » قال: انا في حال الفقر احب الي من الغنى، و المرض احب الي من
الصحة، و الموت احب الي من الحياة. فقال الامام (ع) : «اما نحن اهل البيت، فما يرد علينا من الله من الفقر و الغنى و المرض و الصحة و
الموت و الحياة، فهو احب الينا» . فقام جابر، و قبل بين عينيه، و قال: صدق رسول الله (ص) حيث قال لي: «يا جابر! ستدرك واحدا من اولادي اسمه اسمي، يبقر
العلوم بقرا» .
تذنيب
(اقسام الصبر)
الصبر باعتبار حكمه ينقسم الى الاقسام الخمسة، فالصبر عن الشهوات المحرمة
و على مشاق العبادات الواجبة فرض، و على بعض المكاره و اداء المندوبات نفل، و على
الاذية التي يحرم تحملها حرام، كالصبر على قطع يده، او يد ولده، او قصد حريمه
بشهوة محظورة، و على اذى تناله بجهة مكروهة في الشرع. و بذلك يظهر ان كل صبر ليس
محمودا، بل بعض انواعه ممدوح و بعض انواعه مذموم، و الشرع محكم، فما حسنه حسن، و
ما قبحه قبيح.
1) الحشر، الآية: 2. 2) يوسف، الآية: 24. 3) الحجر، الآية: 22. 4) المشعوذ: الرجل الحيال، الذي يصنع الشعبذة. 5) الصافات، الآية: 164. 6) ابراهيم، الآية: 34. النحل، الآية: 18. 7) المؤمنين، الآية: 53. الروم، الآية: 32. 8) صححنا الحديث على (مصباح الشريعة) : باب 92. و على (البحار): باب الصبر و
اليسر بعد العسر، مج 15: 2 143. 9) النازعات، الآية: 40-41. 10) «الحرب بينهم سجال » : مثل مشهور، اي تارة لهم و تارة عليهم. 11) الفجر، الآية: 27-28. 12) السجدة، الآية: 13. 13) التوبة، الآية: 103. 14) الليل، الآية: 5-7. 15) الزمر، الآية: 10. 16) البقرة، الآية: 155-157.