فروع مما يتعلق بالنية:
ا: اذ قد عرفت وجوب مقارنة النية الفعلية لاول فعل ما (135) يتعلق بالعبادة، تعلم ان
وقت نية الوضوء عند غسل الوجه، و يجوز تقديمها عند غسل اليدين المستحب للوضوء
التفاتا الى كونه من الاجزاء المندوبة له. و لا يجوز عند جماعة (136) ، لعدم كونه من الوضوء عندهم و ان استحب. فالجواز مبني على كونه من الوضوء او مستحبا براسه، و كذا المضمضة و
الاستنشاق. و لا يبعد القول بكفاية النية عند غسل اليد للوضوء و لو لم يكن جزءا، بل عند التهيؤ للوضوء و
لو بتحصيل الماء و امثاله، و كذا كل عبادة، فانه ظهر مما ذكرنا ان وقت النية
الفعلية هو ابتداء الاشتغال بالعمل نفسه او بما يتعلق به، و لا يحتاج الى
الاشتغال بجزء معين منه. نعم، لا بد حينئذ من كون نفس العبادة لا يحتمل غيرها من غير العبادات، اما بنفسها
او بما يميزها من الامور الخارجية حتى يصدق الامتثال، و لا من العبادات حتى
تتعين الآثار المترتبة على ما يريد فعله، و الا لاحتاجت في اول جزء منها الى
قصدها لتميزها عن غيرها، و لذا يحتاج الذاهب من بيته الى الحمام قاصدا للغسل
تجديد النية عند الارتماس، الا اذا لم يكن من عادته الارتماس لغير الغسل. ب: و اذ عرفت عدم العبرة بالاخطار، و ان الداعي هو محل الاعتبار، تعلم انه لو
اراد فعلا معينا و حركه الداعي اليه كصلاة الظهر، ثم خطر بباله حين المقارنة
غيرها كالصبح او العصر لم يضر. ج: و اذ عرفت اشتراط القربة و الخلوص في نية العبادات، و انه ربما يشتبه
الامر او تحصل الغفلة فعليك بالمجاهدة، و معرفة الرياء و آثاره و علاماته و
المعالجة، و عدم الغفلة عن مكائد النفس الامارة، فان تحصيل الخلوص امر صعب لا
يتاتى في الاغلب الا مع المجاهدات الصعبة، كما يدل عليه قول الامير عليه
السلام: «تخليص العمل من الفساد اشد من طول الجهاد» (137) . و ما ورد عنهم من ان «الرياء شرك خفي و اخفى من دبيب النملة » (138) الى غير ذلك. و من ذلك ظهر فساد ما ذكره بعض المتاخرين (139) من سهولة الخطب في النية، و ان
المعتبر فيها محض تخيل المنوي بادنى توجه، و هذا القدر لا ينفك عنه احد من العقلاء. و كذا ظهر مما ذكرنا-من الاخبار الواردة في النية و القربة و من معنى النية-
فساد ما قيل: من ان اشتراط النية بالمعنى المعروف من بدع فقهائنا المتاخرين
تبعا للعامة، و الا فالرواة و القدماء ما كانوا يذكرونها و يتعرضون لها. د: لو زاد في النية على ما يجب، فاما يكون من الاوصاف المتحققة في المنوي، كان
ينوي الوجوب في الواجب، او الندب في المندوب على المختار من عدم اشتراط نية
الوجه، او ينوي القصر في صلاة السفر، او الاتمام في الحضر و نحوه، فلا محذور
فيه اصلا. او يكون مما ليس فيه، كان ينوي الواجب مندوبا، او الاداء قضاء، او الظهر عصرا،
او غسل الجنابة جمعة او بالعكس، بمعنى ان يعتقده كذلك، لا مجرد الاخطار-فانه لا
عبرة به-فلا يخلو اما يتعين مقصوده و الفعل الذي ياتي به، اما لاجل كون المامور
به امرا واحدا معينا لا يشتبه بغيره و يقصده بعينه، و ليس امر آخر غيره يشتبه به،
او لاجل ضم ما يميزه عن غيره-ان كان-الا انه اخطافي اعتقاده الذي زاد، كان
يتوضا للصلاة وجوبا باعتقاد دخول الوقت و لم يدخل، او ندبا باعتقاد عدمه و قد دخل،
او ينوي الصلاة قضاء باعتقاد خروج الوقت و لم يخرج، او اداء باعتقاد عدم خروجه و
قد خرج، او توضا بنية وجوبه او ندبه نفسا مع انه واجب و مندوب لغيره و نحو ذلك مما
لا يحصل فيه الاشتباه لاجل تلك النية فلا محذور ايضا، كما صرح به بعضهم (140) ، لانه
قصد الامر المعين الذي عليه واقعا، الا انه اخطا في اعتقاده، و هو غير مضر، لانه
اتى بذلك المعين المطلوب منه.و الخطا في اعتقاده لا يخرجه من المطلوب المعين.
و كذا لو كان الخطا لاجل الغفلة بل و لو تعمد ذلك، لانه قصد لغو لا يضر في صدق
الامتثال العرفي. و قيل بالبطلان مع العمد (141) .و لا وجه له. او يكون هناك امران و يريد وصف احدهما في النية مع ان المامور به هو الآخر، كان
ينوي الظهر باعتقاد انه لم يفعله، ثم ظهر انه فعله، و كانت عليه صلاة العصر، او قصد
نافلة الصبح زعما منه انه ما فعلها فظهر انه فعلها و كانت عليه فريضة، او غسل
الجمعة باعتقاد ان ما فعله غسل الجنابة ثم ظهر انه اغتسل للجمعة، فالظاهر
البطلان، لانه لا يوافق المامور به، و ما وافقه ليس مامورا به، و لان قصد اطاعة
المامور به شرط في تحقق الامتثال، و ما قصد اطاعته ليس مامورا به، و ما هو
مامور به لم يقصد اطاعته. ه-: اذا وجب او استحب امر كالوضوء او الغسل لغايات، فاما لا يعلم ان
الاتيان به مقيدا بكونه لاجل الغاية ايضا من المامور به او يعلم. فان لم يعلم، مثل ان يقول: يستحب ان يكون النائم متطهرا و القارئ متطهرا و
المجامع متطهرا و الداخل في بيته متطهرا، الى غير ذلك، او ما يؤدي هذا المؤدى،
فيكفي للمجموع وضوء واحد، لاصالة البراءة، و صدق التوضؤ و التطهر و نحوهما، الا ان
تثبت من الخارج مطلوبية التعدد. و ان علم ان التقييد بالاتيان لاجل كذا جزء المامور به، يلزم في امتثال
المجموع التعدد، لتعدد المامور به حينئذ، الا ان يثبت التداخل و كفاية واحد
للمجموع. ثم ما كان من الاول فلا تلزم فيه نية الغاية اصلا كما اشير اليه سابقا، بل لو
فعل فعلا واحدا بنية القربة يكفي لجميع الغايات، و حينئذ لو نوى غاية معينة تكون من
قبيل الزائد الذي لا يبطل به الفعل، و لا يصرفه الى الفعل لتلك الغاية بخصوصها، للاصل،
فيترتب عليه جميع الغايات، و ان ثبت التعدد فيه يمتثل بواحد امرا واحدا لا
بعينه، و الامر في ترتب الآثار لو اختلفت كما مر. و ما كان من الثاني لا يكفي واحد بنية القربة، و لا يكفي الماتي به بنية احدى الغايات
للاخرى الا بدليل، كما ظهر وجهه فيما سبق. اذا عرفت ذلك نقول: انه لما لم يعلم في الوضوء تقييد الامر بشي ء من افراده
بغاية من غاياته، بل غاية ما ثبت وجوب الكون على الوضوء او استحبابه لامور، و
الاصل عدم التعدد في المامور به ايضا، فيكفي الوضوء الواحد بنية القربة لجميع
الغايات، و كذا لو توضا بقصد غاية معينة، و وجهه يظهر مما مر، و ستاتي زيادة تفصيل
لذلك في بحث الاحكام. هذا، و قد ظهر بما ذكرنا ان من اشتغلت ذمته بطهارة واجبة، فنوى الندب او نوى
احدى غاياته الموجبة لاستحبابه يصح الوضوء، اذ ليس المطلوب منه الا وضوء واحد
واجب، غايته انه زاد في النية امرا لغوا، فلا يبطل به الوضوء. و عن المنتهى و التذكرة و نهاية الاحكام و القواعد و الشهيد: البطلان (142) ، و لعله
مبني على اشتراط نية الوجه. و: لو نوى نقض الطهارة بعد الاكمال لم تبطل قطعا، للاصل.و لو نواه في الاثناء
بطل الباقي لو اوقعه، الا اذا رجع الى النية قبل فوات الموالاة في الوضوء، و
مطلقا في الغسل، و اوقعه بعده، فيصح. ز: لو اخل في الوضوء بلمعة، و غسلها في الغسلة الثانية المندوبة، صح عندنا، و وجهه ظاهر.
و على اشتراط قصد الوجه لا يصح، وفاقا لاهله ان علم به، و ان لم يعلم ففيه قولان. ح: ظهر لك مما ذكرنا انه يكفي وضوء واحد لرفع جميع الاخداث، سواء نواه او لم ينوه
او نوى رفع حدث معين، بل لو نوى عدم رفع حدث. ط: لا يجوز الترديد في النية فيما يجب قصده اذا كان عنده معينا، فيبطل لو تردد،
لعدم الاتيان بالمامور به.فلو اعطى شيئا و تردد في قصد الزكاة او الخمس بطل.و
كذا لو صلى مترددا بين الفريضة و النافلة.و كذا الحكم في الوجه و الرفع عند
مشترطي قصدهما. و اما لو لم يكن معينا عنده اما لتردد (143) في المسالة، او للنسيان او للجهل، مثل
ان صلى ركعتين و نسي انه صلى الاداء او القضاء، او اعطى شيئا و نسي انه اعطى
للزكاة او الخمس مع اشتغال ذمته بهما، او لم يعلم ان الزكاة حينئذ واجبة عليه او
مستحبة، او غسل الجمعة على اشتراط نية الوجه، فالظاهر-كما صرح به بعضهم (144)
-كفاية قصد ما في الذمة، اذ معناه هو المطلوب المعين في الواقع. و لو تردد بين اباحة فعل و وجوبه او استحبابه ينوي الاحتياط، لان الاحتياط
مطلوب للشارع. ي: على ما اخترناه يكفي مجرد قصد القربة في كل عبادة واجبة مشتملة على بعض الاجزاء
المستحبة، و لا يلزم قصد الوجه مطلقا فضلا عن قصد الوجوب في الواجبة و الندب في
المندوبة، و لو نوى الوجوب للجميع لم يضر. و للمشترطين لنية الوجه في مثلها قولان: وجوب قصد الوجوب في الواجبة، و الندب في
المندوبة.قيل: هو ظاهر جمع من الفقهاء (145) ، و كفاية قصد الوجوب، نقل عن صريح بعض
المتاخرين (146) ، و لكل وجه، و الاحوط الاول. يا: لو شرع فعلا لاسباب متعددة فنوى عدم بعضها، كان يتوضا بقصد عدم كونه لتلاوة
القرآن، فان كان السبب مما علم وجوب قصدها بان يكون قصدها قيدا للمامور به، فلا
يجزي عما نوى عدمه قطعا. و لو لم يكن كذلك، فان لم يكن المامور به ايقاع الفعل عند ذلك السبب، بل كان
المطلوب وجوده كيف ما كان، كما في الوضوء، حيث انه لم يثبت استحباب ايقاع
الوضوء لكل من غاياته، بل المطلوب تحققه كيف كان، فان المستحب تلاوة القرآن
متطهرا لا التوضؤ مطلقا عند تلاوته، فيكفي ذلك الفعل لجميع اسبابه، و الوجه واضح. و ان كان المامور به نفس الفعل عند السبب كالغسل للجمعة و التوبة و الحاجة و
غيرها، فالظاهر عدم الكفاية عما نوى عدمه الا مع دليل شرعي، لعدم صدق امتثال ذلك
الامر عرفا، فان قصد عدم امتثال امر يوجب انتفاء صدق امتثاله عرفا قطعا. يب: لو لم يعلم جزئية بعض الاجزاء للعبادة، و لكن اتى به من باب الاتفاق
كالطمانينة في الصلاة او المسح في الوضوء او الطواف بالبيت في الحج، بطل ذلك
الجزء، لاشتراط القربة، و ببطلانه تبطل العبادة، سيما اذا كانت تلك الاجزاء
من مقومات ماهية العبادة كالامساكات المخصوصة بالنسبة الى الصوم، فلو لم
يعلم احد من الصوم الا الامساك من الاكل و الشرب و الانزال، و لم يقصد ترك
الادخال من غير انزال او غيره من مبطلات الصوم، بطل صومه، لعدم قصد موافقة
المامور به، لانه لم يقصد القربة فيه، فلم يقصد فيما هو الصوم، و لا شك انه لو
قصد-من يعلم ان الصوم امساك عن الاكل و الوقاع-من الصوم الامساك من الاكل
دون الوقاع، لم يصح صومه، فكذا من لم يعلم، لعدم مدخلية العلم في ذلك. هذا اذا لم يعلم جميع الاجزاء و علم انحصارها فيما قصده، اما لو جوز اجزاء اخر
غير ما يعلمه و قصد جميع ما هو جزء له في الواقع، فالظاهر الصحة اذا اتى بالجميع و
لو اتفاقا، فلو نوى من الصوم الامساك من كل ما يعتبر الامساك عنه في الصوم
و امسك عنه صح و لو لم يعلم الجميع.
الثاني من واجبات الوضوء: غسل الوجه
و وجوبه ثابت بالضرورة و النص. و حد الوجه الواجب غسله طولا: ما بين القصاص و الذقن من الوجه. و عرضا: ما حوته الابهام و الوسطى، بالاجماع المحقق و المحكي عن المبسوط و
الخلاف و الغنية و المعتبر و المنتهى (147) و المعتمد و غيرها، و هو الحجة. مضافا الى رواية اسماعيل بن مهران: عن حد الوجه، فكتب «من اول الشعر الى آخر
الوجه، و كذلك الجبينين » (148) . و صحيحة زرارة: «الوجه الذي قال الله عز و جل و امر بغسله، الذي لا ينبغي لاحد ان
يزيد عليه و لا ينقص منه، ان زاد عليه لم يؤجر و ان نقص منه اثم: ما دارت عليه الابهام و الوسطى من قصاص شعر الراس الى الذقن، و ما جرت عليه
الاصبعان من الوجه مستديرا، فهو من الوجه، و ما سوى ذلك فليس من الوجه »
فقال: الصدغ من الوجه؟ قال: «لا» (149) . و انطباقها على المدعى ظاهر، فانه اذا وضعت الاصبعان على موضع القصاص عرضا
شبيه قوس-لان وضعهما عليه لا يكون الا كذلك-و حدرت بهما كذلك الى الذقن، يصدق عليه
انه ما دار عليه، اي احاط دوره او حرك دوره الاصبعان، مبتدئا من القصاص الى
الذقن، و انه ما جرتا عليه من الوجه حال كونه او الجري عليه مستديرا.و هو
اشارة الى وضعهما على القصاص مستديرا، لكون القصاص كذلك، و الى ما يخرج من حد
الوجه مما تحويه الاصبعان لو لم تستديرا عند انتهائهما الى الذقن. و احتمال ارادة جعل الاصبعين خطا واصلا بين القصاص و الذقن، دائرا على نفسه
مع ثبات وسطه-كبعض المتاخرين- (150) بعيد من الفهم جدا، و مع فهم المعظم خلافه
يصير ابعد، بل يبطله انه على ذلك يكون ابتداء دوران احدى الاصبعين من القصاص و
الاخرى من الذقن دفعة واحدة، و كذلك انتهاؤهما، فلا يكون ابتداء من قصاص و لا
انتهاء من ذقن. مضافا الى عدم كون ما بين القصاص و الذقن بقدر الاصبعين غالبا، بل اما يزيد
او ينقص، فيلزم خروج ما اتفق على دخوله او عكسه، بل يلزم الاول على فرض التطابق
ايضا، اذ مقتضى الحركة الدورية بهذا الطريق انفصال طرف الاصبع الموضوع على
القصاص منه مع ازدياد ميله الى السفل، فيخرج ما يتصل من الجبهة و الجبين من
الطرفين بالقصاص سوى قدر طرف اصبع، و ذلك باطل اجماعا. و منه يظهر وجوب المصير الى المشهور على ذلك الاحتمال ايضا، لعدم اختلاف (151)
على الاحتمالين الا فيما يخرج من الجبهة (و الجبين) (152) من الطرف الاعلى، و
ادخاله واجب بالاجماع. و توهم دخول النزعتين، و هما البياضان المكتنفان للناصية في اعلى الجبين -على
التفسير المشهور-و كذا جميع مواضع التحذيف، و هي منابت الشعر الخفيف بين النزعة
و الصدغ، او ابتداء العذار، باطل، لتصريح الرواية بوجوب كون المحدود من الوجه، و
الاول و بعض الثاني او تمامه من الراس عرفا. و يؤكده خروج الاول عن التسطيح الذي ينفصل به الوجه عن الراس. و اما الصدغ فهو مشترك في الاحتمالين في خروج بعضه و دخول البعض، لاتحاد موضع
طرفي الاصبعين على الاحتمالين في قرب الوصول الى طرف الحاجب.هذا على بعض
تفاسيره، و يخرج كلا على البعض عليهما.و من هذا يظهر ضعف ما ايد به الاحتمال
الاخير. ثم انه لا يجب غسل ما زاد على التحديد المذكور طولا و عرضا، و لا يجوز ترك ما دخل
فيه كذلك. فلا يغسل النزعتان و لا ما استرسل من اللحية طولا و عرضا اجماعا. و لا شي ء من الصدغ لو فسر بما فوق العذار من الشعر خاصة، كما هو ظاهر الصحيح
المتقدم (153) ، و جمع من الاصحاب (154) .و لا جميعه لو فسر بمجموع ما بين العين و
الاذن، كما عن بعض اهل اللغة (155) ، او المنخفض الذي بين اعلى الاذن و طرف الحاجب،
كما عن بعض الفقهاء (156) ، او الشعر المتدلي بين العين و الاذن او منبت ذلك الشعر
كما قيل (157) . و لا من مواضع التحذيف.و العذار، و هو ما حاذى الاذن من الشعر. و العارض، و هو الشعر المنحط عن المحاذي للاذن الى الذقن الا ما دخل من الاربعة (158)
في التحديد، وفاقا لجماعة (159) ، و خلافا في الاول منها للمحكي عن الراوندي، فادخله
جميعا (160) ، و صريح الصحيح يرده. و للاكثر، بل قيل: انه اجماعي (161) .و في الذخيرة: ذهب اليه جمهور العلماء (162) ،
فاخرجوه كذلك لذلك مطلقا، و به يخصون التحديد على غير التفسير الاول. و يمكن دفعه بعدم التعارض، اذ لا يدخل على هذا الا بعض الصدغ، و ما صرح بخروجه هي
الصدغ، و بعض الشي ء غير الشي ء. و لو سلم التعارض فليس تخصيص المحدود باولى من تخصيص الصدغ، بل هو اولى، حيث ان
الظاهر دخول ما تحويه الاصبعان منه في الوجه العرفي. و في الثاني لبعضهم (163) ، فادخلها، بل نسبه الى غير شاذ من الفقهاء، للدخول في
الوجه. و يضعف: بان الصحيح يخصها كلا او بعضا لو سلم الدخول. و للمنقول عن التذكرة و المنتهى (164) ، فاخرجها، للدخول في الراس لنبات الشعر عليه.
و لا دلالة له على الدخول اصلا. و في الثالث للمنتهى و التحرير (165) ، و نسب الى المعظم، فاخرجوه مطلقا، بل نفي
الاول استحباب غسله، و الثاني حرمه مع اعتقاد شرعيته.و للمحكي عن المبسوط، و
الخلاف، و المسالك (166) ، و الكركي في شرح الشرائع (167) ، فادخلوه كذلك، لادلة ضعفها بعد
تصريح الصحيح السابق ظاهر. و الجمع بين كلام الفريقين بارادة البعض الخارج من التحديد و الداخل فيه
-كما عن المعتبر و التذكرة و نهاية الاحكام (168) -ممكن، الا ان الظاهر خروج
العذار من المحدود، لعدم وصول الاصبعين من مستوى الخلقة اليه. و في الرابع للمنقول عن الاسكافي (169) و الشهيدين (170) ، فادخلوه، بل عن ثانيهما عدم
الخلاف فيه.و للمنتهى (171) فاخرجه. و ارادة الاولين ما نالته الاصبعان منه، و الثاني ما يخرج مما تنالانه-كما
هو ظاهر نهاية الاحكام (172) -ممكنة، فلا يكون اختلاف. و الاستناد (173) في اخراجه بعدم شمول الاصبعين له-لان اعتبارهما في الوسط، و
في غيره بما يحاذي موضعه منه، و الا لوجب غسل ما تنالانه و ان تجاوز العارض-ضعيف،
اذ لا دليل على هذا التخصيص. و خروج ما ذكره بالاجماع لا يوجب خروج غيره، مع ان قوله: «من الوجه » في الصحيح
يخرج ما ذكره، لان المتجاوز عن العارض ليس من الوجه.
فروع:
ا: القصاص منتهى منبت الشعر من الناصية دون النزعتين، لانهما من الراس، و هو عند
انتهاء استدارة الراس و ابتداء تسطيح الجبهة. و المعتبر انما هو من مستوى الخلقة، لانه المتبادر حين يطلق، و كذا في التحديد
العرضي بالاصبعين، فيرجع فاقد شعر الناصية المعبر عنه بالانزع، و اشعر الجبهة
المسمى بالاغم، و قصير الاصابع و طويلها بالنسبة الى وجهه، الى مستوى الخلقة. ب: يجب استيعاب الوجه المحدود بالغسل اجماعا، بل ضرورة من الدين، كما صرح به
بعض مشايخنا المحققين (174) . تدل عليه صحيحة زرارة المتقدمة (175) ، و صحيحته الاخرى: الا تخبرني من اين علمت و قلت:
ان المسح ببعض الراس و ببعض الرجلين؟ فضحك، فقال: «يا زرارة قال رسول الله صلى الله عليه و آله و نزل به الكتاب من الله بقوله: «فاغسلوا وجوهكم » فعرفنا ان الوجه كله ينبغي ان يغسل » (176) . و حسنة زرارة و بكير: «ان الله عز و جل يقول: «يا ايها الذين آمنوا اذا قمتم الى
الصلاة فاغسلوا وجوهكم و ايديكم الى المرافق » فليس له ان يدع شيئا من وجهه الا
غسله، و امر بغسل اليدين الى المرافق، فليس له ان يدع شيئا من يديه الى المرفقين
الا غسله » (177) و تظهر منها دلالة الآية عليه ايضا. ج: لا خلاف في عدم وجوب تخليل ما كان كثيفا، اي ساترا للبشرة من اللحية، سواء كان
كلها او بعضها، و عليه الاجماع عن الخلاف و الناصريات (178) . و انما الخلاف في الخفيفة، و فسروها بما يتراءى البشرة من خلالها في مجلس
التخاطب. فعن الشيخ في المبسوط (179) ، و المحقق (180) ، و الفاضل في المنتهى و الارشاد و التلخيص
و التحرير (181) ، و الشهيد في بعض كتبه (182) : عدم الوجوب. بل قيل: انه المشهور (183) . و عن العماني (184) ، و الاسكافي (185) ، و السيد (186) ، و الفاضل في المختلف و التذكرة (187) :
الوجوب. و اضطربت كلمات المتاخرين في تحرير محل النزاع، حتى آل الى دعوى بعضهم (188)
الاجماع على ما جعله الآخر موضع الخلاف. و منهم من جعل النزاع لفظيا، و قال: ان كل من قال بوجوب التخليل فاراد الكثيفة، اذ
ليس في الخفيفة تخليل، بل هو ايصال الماء (189) .او قال: ان من نفى التخليل في الخفيفة
نفاه لغسل البشرة المستورة بها اصالة، و اما غسلها من باب المقدمة لغسل
الظاهرة خلالها الواجب غسلها البتة فلا ينفيه. و من اثبته اراد الاعم من التبعي (190) . و منهم من جعله ذا احتمالات حكم في بعضها بالوجوب و في آخر بالعدم (191) . و التحقيق: ان مقتضى استصحاب الحكم الثابت قبل نبات اللحية وجوب غسل البشرة
حتى يعلم الرافع، و ما يصلح رافعا هنا صحيحتا محمد و زرارة و روايته (192) . اولاها: ا رايت ما احاط به الشعر؟ فقال: «كل ما احاط به الشعر فليس على العباد
ان يطلبوه، فلا يبحثوا عنه، و لكن يجري عليه الماء» (193) . و ثانيتها: عن الرجل يتوضا ا يبطن لحيته؟ قال: «لا» (194) . و ثالثتها: «انما عليك ان تغسل ما ظهر» (195) . و لا شك في رفعها الوجوب في الكثيفة، فيرفع فيها بها، مضافا الى الاجماع. و رفعه بالاصل-كما قيل (196) -غير جيد، لما عرفت من الاستصحاب. و اما الخفيفة-على ما فسروها به-فلا يرفع الوجوب في جميع افرادها بها، لان
منها ما تصدق عليها الاحاطة عرفا، و على تخليلها التبطين، و منها ما ليس كذلك
بل تعد عرفا مما ظهر. فالحق التفصيل بذلك، و القول بان كلما كان الشعر محيطا بالبشرة بحيث يقال:
انها تحته و باطنه، لا يجب ايصال الماء الى تحته، و لو كان بحيث يتراءى
احيانا و في بعض الاوضاع، و كلما لم يكن كذلك يجب الايصال، و ما كان موضع الشك
يعمل فيه بمقتضى الاستصحاب. و لا ينافي وجوبه (197) في بعض افرادها المستفيضة الدالة على كفاية الغرفة (198) ،
لوصول الماء بها الى البشرة فيه، بل يمكن ايصالها اليها في جميع افرادها،
كيف مع انها كافية لليد مع وجوب التخليل فيها عند الاكثر (199) مع كون المغسول
فيها اوسع. و ايضا: قد صرحت الاخبار بكفاية ثلاث اكف في الغسل (200) ، مع ما فيه من سعة المحل و
وجوب تخليل الشعر فيه و ان كثف. هذا، و لا يبعد تنزيل كلام الاصحاب على ذلك ايضا. ثم ان حكم كل ما في الوجه من الشعور غير اللحية، كالشارب، و الخد، و العذار، و
الحاجب، و العنفقة (201) ، و الهدب (202) ، حكم اللحية بعينه، لعموم الصحيحة الاولى و
الرواية. ، و النفلية، و البيان (204)
، للاصل، و ظاهر الصحيحين، و احتمال دخوله في التعدي المنهي عنه و كونه مذهب
العامة كما صرح به جماعة (205) ، و يستفاد من المروي في كشف الغمة -فيما كتب
مولانا الكاظم الى علي بن يقطين اتقاء-: «اغسل وجهك و خلل شعر لحيتك » ثم كتب اليه:
«توضا كما امر الله اغسل وجهك مرة فريضة و اخرى اسباغا» الى ان قال: «فقد زال
ما كنا نخاف عليك » (206) و لم يتعرض له ثانيا، و لو كان مستحبا لذكره كالاسباغ. او استحبابه، كما عن التذكرة، و نهاية الاحكام (207) ، و الشهيد (208) ، للاحتياط،
قولان: اظهرهما: الاول، لما مر. و الاحتياط انما يتم مع الريبة و ليست في الكثيفة، للاجماع على عدم الوجوب
فيها.و فتوى هؤلاء لا تثمر مع الظواهر المذكورة. نعم، يجب غسل شي ء من المستورة فيما يجب تخليله من الخفيفة من باب المقدمة. و المراة كالرجل لو نبت شعر في وجهها على ما نقل عن المبسوط، و المهذب، و
الجواهر (209) ، و المعتبر (210) ، بل عليه دعوى الاجماع، لاطلاق بعض ما سبق من
الاخبار. د: من بوجهه آثار الجدري يجب عليه ايصال الماء الى جوفها، لكونها من
الظواهر.فلو حشا بعضها بحشو يمنع الماء يبطل، بخلاف ما تعارف لبعض النسوان،
يث يحككن موضعا من جسدهن و يحشينه بالنيل و مثله، فانه ليس من الظواهر. ه: تجب البداة في غسله بالاعلى، وفاقا للمبسوط، و الوسيلة (211) ، و الاصباح، و
الشرائع، و المعتبر (212) ، و كتب الفاضل (213) ، و نسبه في التذكرة (214) و غيره الى
الاكثر، للمروي في قرب الاسناد: «و لا تلطم وجهك بالماء لطما، و لكن اغسله من
اعلى وجهك الى اسفله بالماء مسحا» (215) . و ضعفه منجبر بالشهرة، و لا اقل من المحكية و هي في الجبر كافية. و احتمال تحديد الوجه دون بيان مبدا الغسل و منتهاه خلاف اصل الحقيقة في
الحرفين، و لما يتبادر منهما عند عدم القرينة، كما يظهر من قول القائل: ذهبت من
البصرة الى الكوفة. و يدل عليه خبر التميمي الآتي (216) في غسل اليد، حيث فرق عليه السلام بين
التفسيرين.و فهم التحديد احيانا بالقرينة لا يفيد. و يؤيده: مفهوم صحيحة حماد: «لا باس بمسح الوضوء مقبلا و مدبرا» (217) . و المستفيضة الحاكية لوضوء رسول الله صلى الله عليه و آله، ففي احداهما: «و اخذ
كفا من ماء، فاسد له على وجهه من اعلى الوجه » (218) . و في الاخرى: «فملاها ماء، فوضعه على جبينه » (219) . و في الثالثة المروية في تفسير العياشي: «فصبها على جبهته » (220) . و الاستدلال بها، لان فعله اذا كان بيانا لمجمل وجب، مع انه لو لم يجب لم تكن
فائدة في ذكر خصوص الغسل من الاعلى، و انه نقل عنه انه لما اكمل وضوءه قال: «هذا
وضوء لا يقبل الله صلاة الا به » ، غير تام. كالاستدلال باستصحاب الحدث، و بافتقار تيقن الشغل الى تيقن البراءة، و بوجوب
البداة بالاعلى في اليدين و لا فصل، و بانصراف اطلاق الامر بغسل الوجه الى
الشائع. لضعف الاول: بمنع دلالته على بداة الرسول بالاعلى ايضا، لعدم العلم بمدخليتها
فيه، بل يجوز ان يكون من قبيل طلب القدح و كيفية حركة اليد، فهو احد جزئيات الغسل
الذي لا بد من واحد منها. سلمنا و لكن نمنع كونه بيانا، لجواز ان يكون حكاية وضوئه غالبا. سلمنا و لكن لا نسلم وجوب كل ما كان بيانا للمجمل و ان علم وجهه، كما بينا في
موضعه. و اما ذكر خصوص الاعلى فمع انه ليس من الامام، يجوز ان يكون لاستحبابه، او
من قبيل ذكر طلب القدح و مل ء الكف و امثالهما. و ما نقل عنه لم يثبت انه بعد ذلك الوضوء. و القول بان الظاهر ان ما كان قبله كان من الاعلى، لشيوعه، و مرجوحية غيره، و
عدم حصول الالتزام به، مردود: بمنع شيوعه و ان شاع غير الاسفل، فيحتمل الغسل من
الوسط.و منع مرجوحيته، مع ان المرجوح قد يرتكب لبيان الجواز.و عدم حصول
الالتزام بالغير، لعدم ثبوت كونه من العبادة. على انه لا بد ان يحمل على المثل لا الشخص، و المثلية تحصل بالاشتراك فيما يعلم انه
ليس من العادات، و حمل المماثلة المطلقة على العموم ممنوع.و لو سلم فلو لم يكن هناك
ما يرجح امرا خاصا و هو في الحديث موجود، اذ هو هكذا: قال الصادق عليه السلام:
«و الله ما كان وضوء رسول الله صلى الله عليه و آله الا مرة مرة، و توضا النبي صلى
الله عليه و آله مرة مرة، فقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة الا به » (221) و المتبادر
منه ان مثل هذا في كونه مرة مرة. هذا، مع ان الثانيتين لا تدلان على البداة باعلى الجبهة و الجبين.بل يمكن ان
يراد بالاعلى في الاولى ايضا العرفي، فلا يثبت المطلوب ان كان الاعلى
الحقيقي. و الثاني: بما مر في مسالة نية الوجه و الرفع. و الثالث: بعدم تيقن الشغل الا بمطلق الغسل و قد حصل. فان قيل: عدم الاشتغال بالوضوء الصحيح و لم يعلم حصوله. قلنا: الوضوء في الاخبار مبين كما مر و اطلق فيها الغسل، و الاصل عدم التقييد. و ايضا: ورد في المعتبرة ان الوضوء في القرآن مذكور (222) و الغسل فيه مطلق، فيحصل
الوضوء به، و يلزمه تيقن البراءة. و الرابع: بمنع عدم الفصل كما سيظهر، كيف و اقتصر بعضهم بذكره في اليدين خاصة. و الخامس: بمنع الشيوع الذي يوجب الانصراف اليه، سلمناه و لكنه في غير الذقن كما
مر. و لضعف تلك الادلة-التي هي مستند الاكثر-ذهب جماعة من المتاخرين (223) الى عدم
وجوبها.و هو صريح السيد (224) ، و الحلي (225) ، و ابن سعيد (226) ، و ظاهر الصدوق في الهداية (227) ،
و محتمل النافع و اللمعة (228) ، للاصل، و اطلاق الآية و الاخبار، و صدق الامتثال، و
صحيحة حماد السابقة (229) ، بتقريب: ان المسح في اللغة يصدق على امرار اليد و لو في
الغسل، و استعمل فيه ايضا في الروايات كرواية قرب الاسناد، المتقدمة (230) ، و في
صحيحة زرارة-بعد قوله: «فاسد له على وجهه » -: «ثم مسح وجهه من الجانبين جميعا، ثم
اعاد يده اليسرى في الاناء فاسد لها على يده اليمنى ثم مسح جوانبها» (231) و في
صحيحة محمد: «فاخذ كفا من ماء، فصبه على وجهه، ثم مسح جانبيه حتى مسحه كله » (232) . و الاصل و الاطلاق بما ذكرنا مندفع و مقيد.و صدق الامتثال بعد الامر بالبداة من
الاعلى فيما مر ممنوع. و المسح و ان صدق على مطلق امرار اليد، و لكنه اعم من وجه من الغسل، و الواجب في
الوجه الغسل دون المسح، فلا مسح في الوضوء الا في الراس و الرجلين، فهو المراد
من مسح الوضوء قطعا. ثم الواجب هو البداة بالاعلى بحيث يصدق عرفا انه بدا منه منتهيا الى الاسفل.و
اما غسل كل جزء من الاعلى قبل الاسفل فلا، بل فيه العسر المنفي. بل الثابت مما ذكرنا ليس الا البداة بما هو الاعلى عرفا، لان الالفاظ موضوعة
للمعاني العرفية حقيقة، و هو يصدق بالابتداء من الجبهة مطلقا.و اما وجوب البداة
بمبدا القصاص حقيقة فلا دليل عليه اصلا، و الاصل ينفيه. و: يجوز غسل الوجه بكل من اليدين، للاصل، و ان كان الفضل في اليمنى كما ياتي.و
بهما معا، للاصل، و موثقة بكير و زرارة و فيها: «ثم غمس كفه اليمنى في التور فغسل
وجهه بها، و استعان بيده اليسرى بكفه على غسل وجهه » (233) .
الثالث: غسل اليدين من المرفقين الى رؤوس الاصابع
.و وجوبه ايضا ضروري منصوص عليه في الكتاب و السنة المتواترة. و يجب استيعابهما الى المرفقين، بحيث لا يشذ منهما شي ء اجماعا. و تدل عليه حسنة زرارة و بكير المتقدمة (234) ، و صحيحة زرارة في السوار و الدملج و
الخاتم الآتية (235) ، و المروي في تفسير العياشي: «و امر بغسل اليدين الى المرفقين،
فليس ينبغي له ان يدع من يديه الى المرفقين شيئا الا غسله » (236) . و المرفق اما مفصل عظمي الذراع و العضد فيكون خطا هو الحد المشترك بينهما، او
مجمعهما فشي ء منه داخل في العضد و شي ء في الذراع، او كله يكون من كل منهما. و لا دلالة للصحاح الآمرة بغسل المكان المقطوع منهما (237) اطلاقا او خصوصا على ترجيح
المعنى الثاني كما قيل (238) . و يجب ادخالهما في الغسل ايضا، وفاقا كما عن الجوامع، و التبيان (239) ، و
المنتهى، و البيان (240) ، و ان اختلفوا في ماخذه فقيل: للظواهر من الآية و الاخبار
البيانية، و ما ورد في وضوء الاقطع فيكون وجوبه اصليا نفسيا (241) . و قيل: لتوقف تحصيل الواجب عليه (242) ، فيكون الوجوب تبعيا غيريا. و هو الحق على التفسير الاول مطلقا، للاصل، و عدم تمامية دلالة شي ء مما ذكر للاول.
اما الآية: فظاهرة. و اما البيانيات: فلعدم ثبوت الوجوب منها كما مر. و اما اخبار وضوء الاقطع: فلعدم التلازم بين مدلولها و بين ما قصدوه. و في غير ما يدخل منه في الذراع على التفسير الثاني، لتصريح الاخبار بوجوب غسل
جميع الذراع. و اما على الثالث: فالحق الاول، لذلك. قالوا: و تظهر فائدة الخلاف في وضوء الاقطع و في وجوب ادخال جزء من العضد (243) . و فيه تامل، سيما الاول. و تجب في غسلهما البداة من المرفقين، وفقا للاكثر حتى ابن سعيد (244) ، بل عليه
الاجماع في التبيان (245) ، لا لمثل بعض ما مر في الوجه، لما عرفت من ضعفه. بل لخبر التميمي: عن قول الله تعالى: «فاغسلوا وجوهكم و ايديكم الى المرافق » فقلت:
هكذا و مسحت من ظفر كفي الى المرفق، فقال: «ليس هكذا تنزيلها، انما هي فاغسلوا
وجوهكم و ايديكم من المرافق، ثم امر يده من مرفقه الى اصابعه » (246) . و المروي في كشف الغمة، و فيه: «فعلمه جبرئيل الوضوء على الوجه و اليدين من
المرفقين و مسح الراس و الرجلين الى الكعبين » (247) . و المروي فيه و في الخرائج في حكاية وضوء علي بن يقطين، و فيه: «و اغسل يديك من
المرفقين » (248) . و في تفسير العياشي: «قلت له: قال: اغسلوا ايديكم الى المرافق فكيف الغسل؟ قال:
«هكذا ان ياخذ الماء بيده اليمنى فيصبه في اليسرى ثم يفيضه على المرفق ثم يمسح
الى الكف » الى ان قال: قلت: يرد الشعر؟ قال: «اذا كان عنده آخر فعل، و الا فلا» (249)
اراد بالآخر من يتقيه. و فيه ايضا في حكاية وضوء رسول الله صلى الله عليه و آله: «يغسل بها ذراعه من
المرفق الى الكف لا يردها الى المرفق » (250) . و ضعف ما كان منها ضعيفا منجبر بالشهرة. و لا ينافيه الآية، و مثل المروي في الخصال: «هذه شرائع الدين لمن تمسك بها و اراد
الله هداه: اسباغ الوضوء كما امر الله عز و جل في كتابه الناطق، غسل الوجه و
اليدين الى المرفقين، و مسح الراس و القدمين الى الكعبين » (251) . و في العلل و مجالس الصدوق، و فيهما: «و امره بغسل الساعدين الى المرفقين » (252) . و في تفسير العياشي: «و امر بغسل اليدين الى المرفقين » (253) . لان النكس ليس واجبا و لا مندوبا اجماعا.و حمل الامر على الجواز تجوزا ليس
اولى من التجوز في: «الى » مع ان في تفسير العياشي-كما مر-فسر الغسل الى
المرفق بما يوافق المشهور. خلافا لاكثر من خالف في الوجه، و منهم: السيد في الناصريات و الانتصار (254) ، و
، و في كفاية الاحكام انه يلوح من كلام الشيخ في التهذيب (256) ، فجوزوا
غسلهما منكوسا، لضعف جميع ما استند المشهور اليه اما دلالة او سندا. و يضعف بما مر من انجبار الضعيف منه سندا بالعمل.
فروع
: ا: قطع اليد ان كان من تحت المرفق، غسل الباقي اليه اجماعا محققا و منقولا في
المنتهى (257) و غيره (258) . و هو الحجة فيه، مؤيدا بحسنة محمد: عن الاقطع اليد و الرجل، قال: «يغسلهما» (259) خرج ما خرج منها بالاجماع، فيبقى الباقي. و صحيحة رفاعة: عن الاقطع اليد و الرجل كيف يتوضا؟ قال: «يغسل ذلك المكان الذي
قطع منه » (260) . و حسنته و فيها: «يغسل ما قطع منه » (261) . و جعلها دليلا غير جيد، لعدم دلالتها على الزائد على مطلق الرجحان.مع ان في
الاولى-لاشتمالها على الرجل الموجب لعدم ارادة الظاهر قطعا-اجمالا، و
الاخيرتين لا تثبتانه في الزائد عن موضع القطع.و كذا الاستدلال باستصحاب ما
دل عليه الامر بغسل المجموع تبعا، و هو وجوب غسل كل جزء، لان الثابت له . ليس الا
الوجوب التبعي الغيري، و هو يزول بزوال وجوب الغير و المتبوع قطعا. و ان كان من المرفق، فان فسرناه باحد الاخيرين، و بقي شي ء من الذراع، وجب غسله،
لما مر، و الا يستحب غسل موضع القطع، للروايتين الاخيرتين. و لا يجب وفاقا للمنتهى و المعتبر و التحرير (262) و الارشاد (263) ، للاصل.و خلافا
للمحكي عن الاسكافي (264) و القاضي و الشيخ (265) ، و التذكرة و الذكرى (266) ، فاوجبوا غسل
راس العضد. و كانه للاستصحاب المتقدم ضعفه، او الروايتين الغير المثبتتين للوجوب. بل الظاهر حينئذ استحباب غسل الباقي من اليد، للصحيح: عن رجل قطعت يده من المرفق،
قال: «يغسل ما بقي من عضده » (267) . و ان كان من فوقه، سقط الوجوب اجماعا. و هل يستحب غسل موضع القطع، ام تمام الباقي، ام لا يستحب شي ء منهما؟ ظاهر الروايتين: الاول، و هو كذلك. و عن المنتهى و التذكرة و النهاية و الدروس: الثاني (268) . و لا دليل عليه الا اطلاق حسنة محمد (269) ، و قد عرفت اجمالها. و عن المبسوط: استحباب مسح الباقي (270) . و الظاهر ان مراده ايضا الغسل، و الا فلعل مستنده الحسنة بحمل الغسل على المسح،
لبطلان ابقائه على حقيقته، و عدم تجويز استعمال اللفظ في معنييه. و يضعفه امكان حمل آخر كالتقية. ب: الزائد ان كان ما دون المرفق او معه، وجب غسله، وفاقا ظاهرا، سلعة كان او
اصبعا او ذراعا او لحما، له (271) و لتوقف العلم بغسل جميع الاجزاء الاصلية عليه،
حيث ان الزائد واقع فيها مشتمل على جزء منها، و لصدق الجزئية، و ان كان فيها في
الجميع محل كلام. و اما الثقبة الواقعة فيه، فان كانت من الظواهر عرفا، بان كانت مكشوفة،
نابتا عليها الجلد، وجب غسلها للجزئية، و الا فلا. و ان كان فوقه، فان لم يكن يدا لا يجب غسله اجماعا. و ان كان، فان لم يتميز عن الاصلية وجب غسله من غير خلاف يعرف، و في المنتهى و
التذكرة (272) الاجماع عليه. لا لايجاب تخصيص احداهما للتحكم، و لا لتوقف العلم بغسل الاصلية عليه، لاندفاع
التحكم بالتخيير، و جواز عدم اتصاف واحدة منهما بالاصلية، و كون الحكم في مثله
التخيير. بل لعموم الجمع المضاف في قوله: «ايديكم » . و كذا ان تميز، وفاقا للتلخيص و المختلف و المنتهى و الارشاد (273) ، و محتمل
التذكرة و الشرائع (274) ، لما مر. خلافا للمنقول عن المبسوط و المهذب و الجواهر و المعتبر (275) فلم يوجبوا غسله،
لخروجه عن اليد المامور بغسلها.و فيه نظر. ج: يجب ايصال الماء تحت جميع ما في محل الغسل من سوار و دملج و خاتم و غيرها،
للاجماع، و عموم حسنة زرارة و بكير، و رواية العياشي المتقدمتين (276) . و خصوص صحيحة علي: عن المراة عليها السوار و الدملج في بعض ذراعها، لا تدري يجري
الماء تحتها ام لا، كيف تصنع اذا توضات او اغتسلت؟ قال: «تحركه حتى يدخل الماء تحته او تنزعه » و عن الخاتم الضيق لا يدري هل يجري
الماء تحته اذا توضا ام لا، كيف يصنع؟ قال: «ان علم ان الماء لا يدخله فليخرجه
اذا توضا» (277) . و لا ينافي المطلوب مفهوم جزئها الاخير، لان مفادها ان مع عدم العلم لا يجب
الاخراج، و هو كذلك، فانه مع العلم بعدم وصول الماء تحته لا محيص عن اخراجه
فيجب، و اما اذا لم يعلم عدم وصوله، فان علم الوصول فهو، و الا فيحرك حتى يدخل
او ينزعه، كما صرح به في صدرها، فلا يجب الاخراج حينئذ. و اما حسنة ابن ابي العلاء: عن الخاتم اذا اغتسلت، قال: «حوله من مكانه » و قال في
الوضوء: «تديره، و ان نسيت حتى تقوم في الصلاة فلا آمرك ان تعيد الصلاة » (278) فمحمولة
على ما اذا لم يعلم عدم الوصول، جمعا بينها و بين الاخبار المستفيضة المصرحة
بوجوب الاعادة بنسيان جزء من موضع الغسل (279) ، بل بين الصحيحة التي هي اخص منها
مطلقا، فانه حينئذ لا تعاد الصلاة مع النسيان، اما مع العلم بالوصول فظاهر، و اما
بدونه فلرجوعه الى الشك بعد الفعل و هو لا يعبا به، كما ياتي. و كذا (280) الشعر مع خفته اجماعا.و كذا مع الكثافة عند جماعة (281) ، استنادا الى وجوب
غسل كل جزء، كما هو المصرح به في الاخبار (282) . الا ان مقتضى صحيحة زرارة، المتقدمة (283) في شعر الوجه: عدم وجوبه، و وجوب غسل الشعر
خاصة. و تخصيصها بالوجه لا وجه له. و المراد (284) بغسل كل جزء من اليد كما يمكن ان يكون كل جزء من ظاهر جلده، يمكن ان يكون
كل جزء من ظاهر اجزائها كما في الوجه، و منه شعرها المحيط بها، و مع العموم
فالصحيحة للتخصيص صالحة.و لذا استشكل في غرر المجامع و غيره (285) في الفرق بين
الوجه و اليد.و هو في محله، و الاجماع الرافع له غير ثابت و ان ادعاه الكركي في
باب غسل الجنابة من شرح القواعد (286) .و امر الاحتياط واضح. و اما الاظفار: فلا اشكال في وجوب غسلها ما لم يخرج عن حد اليد، اي: عن محاذاة راس الاصبع.و كذا معه، وفاقا للفاضل في بعض كتبه (287) ، و الشهيد (288) ، و
والدي العلامة، لجزئيتها عرفا. و التجاوز عن راس الاصبع لا يوجب خروجها عنها اصلا. خلافا لبعضهم فلم يوجبه (289) . و عن التذكرة و نهاية الاحكام، و في المنتهى، و شرح القواعد للمحقق الثاني (290) :
التردد فيه، للاصل. و هو مندفع بما مر. و اما ما تحتها من البشرة فمنها ما ليس من الظواهر عرفا، و هي الجلدة الرقيقة
تحت الظفر الغير المتجاوز عن حد الاصبع، لان المراد بالظاهر ما كان ظاهرا
غالبا، و لا شك ان هذه الجلدة تكون تحت الظفر غالبا، لندور قص الظفر بحيث تظهر تلك
الجلدة، و لو قص لنبت في اسرع وقت. و منها ما هو الظاهر كذلك، و هو ما تجاوز عما ذكر. فما كان من الاول لا يجب غسله، لرواية زرارة المتقدمة (291) : «انما عليك ان تغسل
ما ظهر» . و العلة المنصوصة في رواية الحضرمي: «ليس عليك مضمضة و لا استنشاق لانها من
الجوف » (292) . و ما كان من الثاني يجب و لو وقع تحت الظفر، بان تجاوز عن حد اليد، للاستصحاب،
و لكونه من الظواهر عرفا. و من هذا يظهر حكم الوسخ المجتمع تحت الظفر، فانه يجب نزعه لو منع من غسل
الثاني، و لا يجب في غيره. و وجوب النزع مطلقا-كالمنتهى (293) -كعدمه كذلك-كما احتمله فيه-لا وجه له. و صدق غسل اليد بدونه، و عدم امر النبي صلى الله عليه و آله الاعراب مع عدم الانفكاك
فيهم غالبا (294) -بعد ورود الامر بغسل الظواهر و عدم جواز ترك جزء من اليد-لا وقع له.
نعم، لو كان الوسخ الواقع في محل الفرض شبه الدخان لا يمنع الماء، اتجه عدم وجوب
نزعه.
الرابع: مسح الراس
.و وجوبه ايضا ثابت بالثلاثة. و القدر الواجب فيه المسمى، و لو بجزء من اصبع، ممرا له على الممسوح ليتحقق
اسمه، وفاقا للاكثر كما في المدارك (295) و الغرر، و منهم التبيان، و المجمع، و روض
، و الغنية (298) ، و المبسوط، و
الجمل و العقود (299) ، و السرائر (300) ، و المصباح للسيد (301) ، و الاصباح، و الجامع، و
المعتبر (302) ، و الشرائع، و النافع (303) ، و القواعد، و المنتهى (304) ، بل سائر كتب الفاضل (305) ،
و الكركي (306) ، و الشهيدين (307) ، و اكثر المتاخرين (308) ، بل عن الخمسة الاولى
الاجماع عليه (309) . و نسب بعض مشايخنا المحققين (310) هذا القول الى العماني، و الاسكافي، و الديلمي، و
الحلبي، و القاضي، و الحلي. للاصل، و الاطلاقات، و خصوص الصحاح. منها: صحيحة زرارة و بكير: «و اذا مسحت بشي ء من راسك او بشي ء من قدميك ما بين
كعبيك الى اطراف الاصابع فقد اجزاك » (311) . و اخرى: «فاذا مسح بشي ء من راسه و بشي ء من رجليه ما بين الكعبين الى آخر اطراف
الاصابع فقد اجزاه » (312) . و قيل: يجب مقدار اصبع، و هو المحكي عن المقنعة، و التهذيب، و الخلاف (313) ، و جمل السيد،
و الراوندي (314) في موضع من الكتاب المذكور، و في الدروس (315) ، و هو الظاهر من
البيان و الذكرى (316) ، و نسبه في المختلف الى المشهور (317) . و قد ينسب الى جمع ممن نسب اليه الاول كالقديمين و الاربعة المتعقبة لهما (318) . و قد يجمع بينهما: باتحاد القولين (319) ، لان المراد بالمسمى ما هو بحسب العرف،
و المتبادر ان المسمى اقله الاصبع. و كيف كان، فاستدلوا بالاخبار: احدها: في الرجل يتوضا و عليه العمامة، قال: «يرفع العمامة بقدر ما يدخل اصبعه
فيمسح على مقدم راسه » (320) . و ثانيها: عن الرجل يمسح راسه من خلفه-و عليه عمامة-باصبعه، ا يجزيه ذلك؟ فقال:
«نعم » (321) . و ثالثها: رجل توضا و هو معتم و ثقل عليه نزع العمامة لمكان البرد، فقال: «ليدخل
اصبعه » (322) . و فيها-مضافا الى ما في الاول من الخلو عن الدال على الوجوب، بل و كذا
الثاني، حيث ان الاجزاء لا يدل عليه كما ياتي.و ما في الثاني من الخلل في المتن:
انه لا دلالة فيها على وجوب المسح بتمام الاصبع، لتوقف المسح بالبعض ايضا
على ادخال الاصبع، و لا يمكن ادخال بعض الاصبع، فيمكن ان يكون لتحصيل المسمى، و
ايضا كلمات القائلين بالاصبع، الا ان بعضها (324) مما لا يحتمله. و ربما يعكس، فيحمل كلام الاولين على ارادتهم من المسمى خصوص الاصبع كما مر (325)
، زعما عدم حصوله الا به. و هو مع بعده لا وجه له، سيما مع تصريح بعضهم بالاقل (326) . و قيل: يجب مقدار ثلاث اصابع مضمومة، اختاره بعض الاخباريين (327) ، و هو المروي
عن حريز (328) ، و المحكي عن الفقيه (329) ، و السيد في خلافه، و الشيخ في عمل يومه و ليلته (330) .
لصحيحة زرارة: «المراة يجزيها من مسح الراس ان تمسح مقدمه مقدار ثلاث اصابع، و
لا تلقي عنها خمارها» (331) . و رواية معمر بن عمر: «يجزي من المسح على الراس موضع ثلاث اصابع، و كذلك الرجل » (332) .
حيث ان الاجزاء اما الامتثال، او حصول اقل الواجب، فعلى الاول يكون مقتضاهما
حصول الامتثال بالثلاث فيتوقف عليها، و على الثاني لا يؤدى اقل الواجب الا به. و فيهما-مضافا الى ما في الاولى من الاختصاص بالمراة، و عدم ثبوت
الاجماع المركب، بل ثبوت عدمه كما ياتي، و من جواز كون الحكم بالاجزاء بالنظر
الى عدم القاء الخمار-: ان ارادة ذلك القدر في الطول تحصيلا لحصول المسح ممكنة،
حيث انهم لا يوجبونه في الطول و العرض معا، فيراد التحديد به في احدهما، و لا
تصريح فيهما بكون ذلك في العرض كما هو مطلوبهم. مضافا الى ان الاجزاء ان كان هو الامتثال: فيكون المعنى انه يحصل بها، و لا
يدل على عدم حصوله بغيرها الا بالاصل الذي لا يصلح للتمسك بعد الاطلاقات المتقدمة.
و ان كان حصول الاقل: فيمكن ان يكون اقل المندوب، كما في قولك: يجزي في الصلاة مسمى الدعاء في القنوت، حيث ان للمسح واجبات و مندوبات، و يكون
الاجزاء في كل منهما، فتخصيصه باحدهما لا دليل عليه، بل لا يبعد ظهور الاخير بملاحظة
رواية معمر، فان عدم التفصيل في ذلك بين الراس و الرجل-مع استحبابه في الرجل
وفاقا كما ياتي-قرينة واضحة على كون الاجزاء بالنسبة الى الراس ايضا كذلك. و اما تفسير الاجزاء: بانه حصول اقل الواجب، فهو مما لا وجه له، لتحققه و
استعماله في المندوب ايضا. مع ان ذلك القول محكي عن ابي حنيفة و بعض آخر من العامة (333) ، فيمكن الحمل على التقية.
و لا باس بالحمل على الاستحباب، كما عن المقنعة (334) ، و المبسوط، و الخلاف، و الجمل
و العقود (335) ، و الغنية، و المراسم، و الوسيلة، و السرائر (336) ، و مصباح السيد و جمله (337) ،
و المهذب، و المعتبر، و الشرائع، و المنتهى (338) ، و غيرها. و المستحب مسح موضعها لا المسح بها، لعدم دليل عليه. و المراد من موضعها ما تحويه الثلاثة بعرضها و طولها الذي هو طول اصبع، لان
الاصبع حقيقة في تمام العضو المخصوص، سواء كان عرضها من عرض الراس و طولها من
طوله او بالعكس. و قد يخص استحباب ذلك المقدار بالعرض، نقل ذلك عن ظاهر المقنعة، و المهذب، و
الجامع (339) ، و الشرائع، و النفلية (340) ، و صرح به الكركي (341) . و هو غير جيد. ثم المستفاد من الخبرين استحباب مجموع الثلاث، فيكون افضل افراد المخير،
لا استحباب القدر الزائد على المسمى.و على هذا فلا يتصف الزائد بنفسه بوجوب و لا
استحباب. نعم، يتصف بالوجوب التخييري التبعي من حيث كونه جزءا للمجموع اذا قصد
الامتثال بالمجموع، و بالاستحباب بمعنى الراجحية الاضافية كذلك حينئذ. و عن نهاية الشيخ: وجوب هذا القدر اختيارا، و الاكتفاء بالاصبع الواحدة حال
الاضطرار، الا ان المصرح به في كلامه الاكتفاء بها ان خاف البرد من كشف الراس (342) ،
و لعلهم استنبطوا التعميم من عدم التفرقة بين انواع الاضطرار.و نسب ذلك الى
الدروس (343) ايضا، كما عن الاسكافي تخصيص وجوبه بالمراة و الاكتفاء في الرجل
بالواحدة (344) . و مستند الاول: الجمع بين اخبار الاصبع و الثلاث بذلك، بشهادة ثالثة
روايات الاصبع المتقدمة (345) . و دليل الثاني: الجمع بينها بذلك، بشهادة صحيحة زرارة المتقدمة (346) . و يضعف الاول: بما مر من عدم دلالة روايات الثلاث على وجوبها، مع عدم تصريح في
الشاهد بالاصبع الواحدة عند الخوف، بل اراد بيان عدم وجوب النزع و جواز
الادخال، فيحتمل الاكتفاء بالمسمى، و وجوب الثلاث، و الاطلاق انما يحكم به
اذا كان في مقام بيان حكمه. و الثاني: بما مر من عدم دلالة الصحيحة على وجوب ذلك على المراة.
فرعان:
ا: يجب ان يكون المسح على مقدم الراس، بالاجماع المحقق و المنقول مستفيضا (347) ، و
النصوص. ففي الصحيح: «مسح الراس على مقدمه » (348) . و في آخر: «امسح الراس على مقدمه » (349) . و في الحسن: «امسح على مقدم راسك » (350) . و بها تقيد الاطلاقات. و ما في شواذ اخبارنا مما يخالف ذلك ظاهرا، و يثبت المسح على المقدم و
المؤخر او على الرقبة (351) ، ضعيف بالشذوذ، متروك بالاجماع، محمول على التقية او
غيرها من المحامل المحتملة في بعضها قريبا. و مما يقرب الحمل على التقية: ما في رواية علي بن يقطين، المروية في كشف الغمة و
غيره (352) من امره عليه السلام اياه اولا اتقاء بمسح ظاهر الاذنين و باطنهما،
ثم بعد ارتفاع التقية امره بالوضوء الصحيح، و قال فيه: «و امسح مقدم راسك » . و قول بعض اصحابنا باستحباب المقدم-كما حكاه بعض مشايخنا المحققين (353) -غريب جدا.
و المراد بالمقدم ما قابل المؤخر، لانه المفهوم منه عرفا و لغة، لا خصوص ما بين
النزعتين المعبر عنه بالناصية، فالقول بتعين الثاني ضعيف. و صحيحة زرارة: «فقد يجزيك من الوضوء ثلاث غرفات: واحدة للوجه و اثنتان
للذراعين، و تمسح ببلة يمناك ناصيتك و بما بقي من بلة يمناك ظهر قدمك اليمنى، و تمسح
ببلة يسراك ظهر قدمك اليسرى » (354) ، لا تفيد الوجوب.مع انه يمكن ان يكون المعنى: يجزيك
ذلك، فلا يدل على عدم اجزاء غيره. مضافا الى ان الناصية ربما تفسر: بمطلق شعر مقدم الراس ايضا. و في كتب جماعة من اهل اللغة انها خصوص القصاص (355) .و به تخرج عن صلاحية تقييد
الاخبار المطلقة في المقدم. ب: المقدم يشمل البشرة و الشعر، للاجماع المحقق و المحكي مستفيضا (356) ، و نفي الحرج
اللازم على تقدير الاختصاص بالاول قطعا، و اطلاقات المسح على الراس و على مقدمه
الشامل للامرين.و المراد بالشعر المختص بالمقدم، دون غيره من النابت عن غيره
مطلقا، او عنه مع استرساله، او خروجه بمده عن حده، لظاهر الوفاق، و عدم صدق المناط،
و استصحاب عدم اباحة الصلاة. و لا يجوز على الحائل بالاجماعين، لعدم صدق الامتثال، و للمستفيضة، منها:
اخبار رفع العمامة و القناع ثم المسح (357) . و خصوص الصحيح: عن المسح على العمامة و على الخفين، قال: «لا تمسح عليها» (358) . و المرفوع: في الذي يخضب ثم يبدو له في الوضوء، قال: «لا يجوز حتى يصيب بشرة راسه
الماء» (359) . و المراد ببشرة الراس فيها بشرته بالنسبة الى الحناء الشامل للشعر ايضا. و المروي في كتاب علي عن اخيه: عن المراة هل يصلح لها ان تمسح على الخمار؟ قال:
«لا يصلح حتى تمسح على راسها» (360) . و تجويزه في الصحيحتين (361) على فوق الحناء-مع شذوذهما المخرج لهما عن
الحجية-محمول على لونه او عدم استيعاب الحناء للمقدم او على الضرورة، فان
المنع عن المسح على الحائل يخص حال الاختيار. و يجوز على الحائل اضطرارا اتفاقا-كما قيل (362) -لعموم ادلة المسح على الجبائر و
الدواء، كما ياتي.
الخامس: مسح الرجلين، الى الكعبين.
و وجوبه ايضا مما اتفقت عليه الكلمة، و نطق به الكتاب و السنة. و الكعبان عند العامة هما: العظمان الناتئان عن جانبي عظم الساق فوق المفصل (363) . و اما الخاصة: فقد اتفقوا على انهما غير ذلك، و ان اختلفوا في تعيينهما، و هم بين
مصرح بانهما قبتا القدمين امام الساقين ما بين المفصل و المشط، و هو: شيخنا
المفيد (364) .و يشعر به بل بالاجماع عليه كلام التهذيب (365) ، و تبعهما جماعة من
المتاخرين (366) . و مصرح بانهما مفصل الساق و القدم، اي: ملتقاهما، و هو الاسكافي (367) ، و الفاضل (368) ،
و الشهيد في الرسالة (369) ، و صاحب الكنز (370) ، و الاردبيلي رحمه الله (371) ، و نسب في
البحار ذلك الى جماعة من اهل اللغة (372) ، و في التذكرة الاجماع عليه (373) . و قائل بان الكعب هو العظم المائل الى الاستدارة الواقع في ملتقى الساق و القدم،
الناتئ في وسط القدم العرضي نتوا غير محسوس كثيرا لارتكاز اعلاه في حفرتي الساق،
له زائدتان في اعلاه تدخلان حفرتي قصبة الساق، و زائدتان في اسفله تدخلان حفرتي العقب،
و هو الذي يكون في رجل البقر و الغنم ايضا، و ربما يلعب به الناس. ذكره شيخنا البهائي (374) و طائفة من المتاخرين (375) ، و هو الذي عبر عنه بعض الاجلة
بانهما عظمان مكعبان موضوعان على حد المفصل بين الساق و القدم (376) ، و نسبه الى
ظاهر العين و الصحاح و المجمل و مفردات الراغب (377) من كتب اللغة. و محتمل كلامه للمعاني الثلاثة، و هو اكثر المتقدمين، حيث انه فسر الكعب في بعض
كلماتهم: بالناتئ في ظهر القدم عند معقد الشراك (378) .و في آخر: بما في ظهر القدم (379) .و في ثالث: بمعقد الشراك (380) .و في رابع: بالناتئ في وسط القدم (381) ،
و في خامس: بما في ظهر القدم عند معقد الشراك (382) . و جماعة من القائلين بالاول (383) حملوا الرابع (384) عليه، و حملوا الوسط على الطولي،
و الفاضل (385) حمله على قوله، و صب عبارات الاصحاب عليه، و نسب من حمله على غيره
الى عدم التحصيل. و القائل (386) بالثالث حمل الرابع (387) على الثاني بعد ارجاعه الى مختاره. و من متاخري المتاخرين (388) من ارجع الثاني الى الاول، و ذكر كل لما قاله
مؤيدات. اقول: رجوع كل من الثانيين (389) الى الآخر بحسب الموضع (390) و المحل مما لا اشكال
فيه و لا خفاء، كعدم رجوع الثاني الى الاول. و انما الاشكال في الرابع، و الحق احتماله لكل من الاول و الثالث، لكون كل
ظهرا و وسطا طوليا او عرضيا و ناتئا، و ان كان ظهور النتو الواقع في بعض
العبارات في المحسوس مؤيدا للاول، و لكن تعريف جمع من علماء التشريح الذين هم
اهل الخبرة في المقام بالثالث مقيدا بالناتئ-و ديدن الفقهاء الرجوع في
الموضوعات الى اهل خبرتها-يضعفه، مع ان نتوه ايضا محسوس سيما بالملامسة، بل
هو ارفع من القبة، كما يظهر بعد نصب الساق. و اما المعقد: فلا ظهور له في الاول، بل الظاهر ان موضع عقد الشراك هو الوسط في
العرض، اي: يقع عقد الشراكين فيه دون القبة، و لم يعلم ايضا انه كان يعقد تحت المفصل. هذا، ثم انه استدل الاولون: باجماع لغوي الخاصة و كثير من العامة، سيما قول
صاحب الصحاح: الكعب هو العظم الناشز في ظهر القدم عند ملتقى الساق و القدم، و نسبه
الى الناس ما عدا الاصمعي (391) ، بل قيل: الظاهر انه مذهب جميعهم (392) ، لعدم الخلاف
بينهم في تسمية ذلك كعبا، و انما الخلاف في تسمية ما عداه به. و دعوى جماعة من الفقهاء الاجماع عليه كما هو المحكي عن الانتصار، و التبيان،
و الخلاف (393) ، و المجمع، و المعتبر، و المنتهى، و الغنية، و الذكرى (394) . و صحيحة البزنطي، و فيها: فوضع كفه على الاصابع، فمسحها الى الكعبين الى ظاهر
القدم (395) . و رواية ميسر، و فيها: ثم وضع يده على ظهر القدم ثم قال: «هذا هو الكعب » (396) . فان الظاهر و الظهر فيهما ليسا بالمعنى المقابل للباطن قطعا، لعدم كونه
باطلاقه كعبا فهو بمعنى ما ارتفع. و صحيحة الاخوين و فيها: فقلنا (له) (397) اين الكعبان؟ قال: ها هنا، يعني المفصل دون
عظم الساق، فقلنا: هذا ما هو؟ قال: هذا (من) (398) عظم الساق، و الكعب اسفل من ذلك (399) .
فان المفصل المعهود ليس دون عظم الساق و لا اسفل منه، فانهما يقتضيان بعدا فليس
الا القبة. و بعدم وجوب تبطين الشراك كما ورد في الاخبار (400) ، و لو كان الكعب هو المفصل،
للزم تبطينه. و بما ورد في الصحيح: «ان امير المؤمنين اذا قطع الرجل قطعها من الكعب » (401) . و روي ايضا في الكافي و الفقيه و التهذيب: «انما يقطع الرجل من الكعب و يترك من
قدمه ما يقوم عليه و يصلي و يعبد الله » (402) . فان موضع القطع عند معقد الشراك اجماعا منا، كما نقله جماعة (403) . مع انه لا يبقى مع القطع من غير القبة من معاني الكعب ما يقوم به. مع انه في رواية سماعة: «السارق ان عاد قطع رجله من اوسط القدم » (404) و ليس كعب في
الاوسط الا القبة. و في الكل نظر: اما الاول: فلمنع الاجماع، بل اكثر كلمات اللغويين محتمل للمعنيين: الاول و الثالث، الا ترى قول صاحب الصحاح: عند ملتقى الساق و القدم (405) و النشوز
ظهر القدم لا يعين القبة، لان الثالث ايضا كذلك، و لا يضر عدم احساس نشوزه
كثيرا، فان اهل اللغة يعرفون الاجزاء الباطنية باوصافها الغير المحسوسة، و
غرضه الرد على الاصمعي حيث جعل الكعب في الجانبين، مع ان نتو الثالث حسا كما
ذكرنا ليس اقل من نتو الاول. نعم، لما كان الاول مبدا النتو، قد يتخيل انه اظهر او اكثر.و قد عرفت ان بعض
الاجلة قد استشهد لاثبات الثالث بقول صاحب الصحاح و غيره من اهل اللغة (406) ، و ذلك
اوضح شاهد على انه لا اقل محتمل للمعنيين. و منه يظهر حال سائر كلمات اللغويين كالقاموس، و النهاية (407) ، و الغريبين، و عميد
الرؤساء (408) ، و غيرهم (409) ، فانهم لم يذكروا في بيانه الا انه الناشز ظهر القدم. و قد عرفت حاله. و اما الثاني: فلذلك ايضا، فان اكثر كلمات المدعين للاجماع مما لا يعلم
اختصاصه بالقبة، هذا كلام المنتهى و المعتبر (410) ، فانهما ذكرا ان الكعبين
هما العظمان الناتئان في وسط القدم، و هما معقد الشراك، و هذا كما ترى محتمل
للمعنيين، بل صرح في المنتهى بعد ذلك انه المفصل دون عظم الساق، و نسب من فهم غيره
الى عدم التحصيل.بل لا يحضرني الآن من كلام فقهائنا المتقدمين و المتوسطين من
ذكر القبة الا نادرا، كالمفيد (411) ، و الشرائع، و النافع (412) . و اما الثالث و الرابع: فلان المعنى الثالث ايضا ما ارتفع، بل هو غاية ارتفاع
القدم و ارفع مواضعه. مع انه يمكن ان يكون الغرض الرد على العامة (413) حيث يجعلون الكعب في الجانبين،
فيكون المراد من الظاهر و الظهر المعنى المقابل للباطن و الجانب ردا عليهم، و
لحصول الغرض بمطلق الظهر اطلقه و لم يعين موضعه. و اما الخامس: فلاحتمال كون لفظ «دون » بمعنى الغير، و المشار اليه في ذلك و في
هذا في الموضعين ما قال العامة بكونه كعبا. مع ان المعنى الثالث ايضا غير عظم الساق و اسفل منه فلا ينافيه.و اقتضاء
الاسفلية للبعد ممنوع. و اما السادس: فلجواز ان يكون المراد الشراك المعقود طولا-كما قيل- و يتعارف
الآن ايضا، و جواز كون مبداي الشراك و الكعب بالمعنى الثالث واحدا. مع انه قيل بجواز المسح على الشراك و قيامه في ذلك مقام البشرة (414) . و اما السابع: فلمنع كون معقد الشراك هو القبة، و منع ان غيرهما لا يبقى مع القطع منه
ما يقام به، فان مع القطع من المعنى الثالث ايضا يبقى العقب و شي ء من القدم، بل
صرح في بعض الاخبار-كما ياتي-انه يقطع من المفصل و يترك العقب يطا عليه (415) ، و هو
صريح في ان القيام على العقب، و هو يبقى قطعا مع القطع من المعنى الثالث، بل من
المفصل بين الساق و القدم. هذا، مع انه لو تم لا يدل على ازيد من الاستعمال، و هو لا يفيد الاختصاص، سيما مع
تصريح جماعة (416) بالاستعمال في غيره ايضا. و استدل الثانيان (417) : بقول بعض اهل اللغة و صحيحة الاخوين. و في الاول: منع الحجية اولا، و الاختصاص ثانيا. و في الثاني: انه يمكن ان يكون المراد بالمفضل، المفصل الشرعي، اي: محل القطع، بل قيل: هو الظاهر من بعض الاخبار (418) كالرضوي: «يقطع السارق من المفصل
و يترك العقب يطا عليه » (419) فانه مشعر بمعروفية المفصل عند الاطلاق في ذلك الزمان. و فيه نظر، و يعلم وجهه مما ذكرنا. و زاد الثالث (420) : تصريح ارباب التشريح، و نسبة بعض العامة هذا المعنى الى الشيعة.
و ضعفهما ظاهر، فانهما معارضان بما مر من تصريح جمع آخر بخلافه. و ظهر من ذلك كله عدم دليل واضح على تعيين معناه، و الاحتياط في المسح الى مبدا
و غيره (422) ، و يوجبه
ضرب من الاستصحاب ايضا.