أحد العيوب التي ترافق عمليّة التبليغ ، بشكل عامّ ، هو تحويل التبليغ إلى عملٍ مضادّ للذات من قبل المبلّغ نفسه . وكثيراً ما يقع في مجالات الإعلام السياسي والاجتماعي والثقافي أن ينجم عن الإعلام تأثير معاكس ، ويعزى أحد أسباب هذه الظاهرة إلى عدم أخذ الجانب النفسي بنظر الاعتبار ؛ فيجي ء العمل التبليغي أو الإعلامي متعارضاً مع الحاجات الفطريّة والطبيعيّة للناس . يقول الاُستاذ مطهّري في هذا المجال :أحد موجبات التخلّف الديني ، من زاوية علم النفس الديني ، أن يخلق المتصدّون لشؤون الدين تعارضاً بين الدين وإحدى الحاجات الطبيعيّة ، خاصّة إذا كانت تلك الحاجة ظاهرة على صعيد الرأي العامّ وتهمّ المجتمع بأسره .[30]إذا حصل نوع من التضادّ في خطّة التبليغ الديني بين الدين وحقوق الناس السياسيّة أو الاجتماعيّة أو الفرديّة ، فإنّ العمل التبليغي سيكون مآله إلى الفشل ، بل أكثر من ذلك سيتحوّل إلى عملٍ مضادّ للتبليغ . وانطلاقاً من هذه الرؤية ، فإنّ الذين يفسّرون التديّن بمعنى عدم احترام الحقوق السياسيّة للشعب ، والحجر على الحريّة الفكريّة ، والإعراض عن الدنيا ، والمعارضة للفرح والبهجة ، والانزواء عن الناس ، والامتناع عن الزواج ، فإنّهم ، في الحقيقة ، يمارسون عملاً إعلاميّاً مضادّاً للدين .ويضيف الاُستاذ مطهّري قائلاً :«عندما بلغ الكبت والاستبداد ذروته في اُوربا ، كان الناس يفكّرون في حقوقهم في الحكم ، وكانت تُنشَر في مقابل ذلك ، من قِبل الكنيسة أو مؤيّديها أو من خلال الاستناد إلى أفكارها ، آراء تفيد بأنّ الشعب ملزَم ومكلّف أمام الحكم فقط ، وليس له أيّ حقّ في الحكم . وكان هذا كافياً لإثارة المجتمع المتعطّش إلى الديمقراطيّة والحرّيّة في الحكم ، ضدّ الكنيسة» .[31]إنّ إحدى خصائص الإسلام الأصيل هي أنّه يأخذ جميع الميول الفطريّة للإنسان بنظر الاعتبار . وتعني طبيعة الدين الفطريّة ، أساساً ، أنّ كلّ مُثُله (على صعيد المعتقدات والأخلاق والأعمال) لها جذور متأصّلة في فطرة الإنسان . ومن هنا فإنّ المبلّغ إذا كان عارفاً حقّ المعرفة بالإسلام وكان خبيراً بالحاجات الفطريّة للمخاطب ، فإنّه لا يأتي أبداً ، باسم الدين وبهدف تبليغ الإسلام ، بما يتعارض وحاجات الناس الفطريّة وحقوقهم الطبيعيّة .
4 / 1 ـ 5 مَعرِفَةُ الزَّمانِ
186 . الإمام عليّ عليه السّلام : النّاسُ بِزَمانِهِم أشبَهُ مِنهُم بِآبائِهِم .[32]187 . عنه عليه السّلام : حَسبُ المَرءِ . . . مِن عِرفانِهِ عِلمُهُ بِزَمانِهِ .[33]188 . عنه عليه السّلام : مَن عانَدَ الزَّمانَ أرغَمَهُ ، ومَنِ استَسلَمَ إلَيهِ لَم يَسلَم .[34]189 . الإمام الصادق عليه السّلام : العالِمُ بِزَمانِهِ لا تَهجُمُ عَلَيهِ اللَّوابِسُ .[35]190 . الإمام الهادي عليه السّلام ـ في جَوابِ ابنِ السِّكّيتِ عَن عِلَّةِ بَعثِ موسى بِالعَصا ويَدِهِ البَيضاءِ وآلَةِ السِّحرِ ، وبَعثِ عيسى بِآلَةِ الطِّبِّ ، وبَعثِ مُحَمَّدٍ ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ وعَلى جَميعِ الأَنبِياءِ ، بِالكَلامِ وَالخُطَبِ ـ : إنَّ اللهَ لَمّا بَعَثَ موسى عليه السّلام كانَ الغالِبُ عَلى أهلِ عَصرِهِ السِّحرَ ، فَأَتاهُم مِن عِندِ اللهِ بِما لَم يَكُن في وُسعِهِم مِثلُهُ ، وما أبطَلَ بِهِ سِحرَهُم ، وأثبَتَ بِهِ الحُجَّةَ عَلَيهِم . وإنَّ اللهَ بَعَثَ عيسى عليه السّلام في وَقتٍ قَد ظَهَرَت فيهِ الزَّماناتُ وَاحتاجَ النّاسُ إلَى الطِّبِّ ، فَأَتاهُم مِن عِندِ اللهِ بِما لَم يَكُن عِندَهُم مِثلُهُ ، وبِما أحيا لَهُمُ المَوتى ، وأبرَأَ الأَكمَهَ وَالأَبرَصَ بِإِذنِ اللهِ ، وأثبَتَ بِهِ الحُجَّةَ عَلَيهِم .وإنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّداً صلّى الله عليه و آله في وَقتٍ كانَ الغالِبُ عَلى أهلِ عَصرِهِ