الفصل العاشر في خاتمة الكلام في البرهان
قد بينا من قبل أن العلم بمبادئ البرهانيجب أن يكون آكد من العلم بنتائج البرهان. فلشاك أن يشك أنه هل كلاهما علم و لقوةواحدة أو أحدهما علم و الآخر شيء آخر ولقوة أخرى ثم لا يخلو إما أن تكون موجودةفينا كما خلقنا و نحن نعلمها منذ ذلك الوقتفكيف يكون عندنا علم و كنا لا نفطن له حتىاستكملنا و ليس يجوز أن يكون عندنا علمبرهاني لا نعلمه فكيف علم أصح من البرهان وإن كنا نعلم ثم نسينا متى كنا نعلم و في أيوقت نسينا و ليس يجوز أن نعلمها و نحنأطفال و ننساها بعد الاستكمال ثم نتذكرهابعد مدة أخرى عند الاستكمال. فإذن الحق أنانكون غافلين عن مبادئ البرهان أولا ثم إنانصيبها و نحصلها فكيف نحصل مجهولا بغيربرهان و إن كان ببرهان احتجنا إلى مبادئقبل المبادئ الأولى و هذا محال. فلا سبيلإلى حل هذا العويص إلا أن تكون عندنا قوةمن شأنها أن تعلم أشياء ما بلا تعلم وبمعاونة أعوان تكون معونتها على جهة غيرجهة المعونة في التعليم. و تلك الأعوان قوىالحس الظاهر و الحس الباطن الموجودين فيالحيوان كله أو أكثره. فإن الحس الظاهر وإن وجد في الحيوان كله فإن الحس الباطنالحافظ لما يؤديه الحس إلى النفس ربما لايوجد لكل حيوان أو إن وجد لكل حيوان فربمالم يكن في بعضها لفعله ثبات مثل حالها فيالدود و الذباب و الفراش التي تفر من النارثم تنسى أنها مؤذية فترجع إليها. و أماالحيوانات الكاملة فيبقى عندها ما أخذت منالحواس مدة طويلة. و الحيوانات تأخذبقواها الدراكة شيئين: أحدهما صورةالمحسوس و خلقته كخلقة الذئب الضار لها وخلقة المحسن لها من الناس. و إنما تأخذ هذهالصورة بالحس و تخزنها في الخيال و هو فيمقدم الدماغ. و الثاني معنى المحسوس مثل