استخدم حوحو البيئة الثقافية الجزائرية في قصة (صديقي الشاعر) وذلك لتصوير الصراع بين الأدباء الشيوخ والأدباء الشباب الذين يميلون نحو تجديد الأساليب الأدبية وتطويرها، ولكنه لم يتمكن من استغلال هذا في تأزم الحدث القصصي، وإنما ركز كل جهوده على تقريظ خصائص شعر الأديب الشاب، وذم شعر الأدباء الشيوخ، ثم جعل بطل قصته يؤثر الهروب على المواجهة والتصدي، فلم يقدم بيئة فاعلة تجسد الصراع الأدبي الذي دارت رحاه بين الأدباء الشباب من دعاة التجديد، وبين الأدباء الشيوخ من دعاة التقليد والمحافظة في المرحلة التي تلت الحرب العالمية الثانية.ولكنها في قصة "السكير" أدت دوراً مهما في تصوير مشاعر شخصية (السكير)، وعرض هواجس تأنيب الضمير كلما ذهب الرجل إلى المدرسة ليأخذ ابنته إلى البيت.والبيئة في هذه القصة محدودة ومناسبة لتصوير الصراع بين الخير والشر اللذين يعاني منهما بطل القصة، حيث جعل المدرسة رمزاً للخير الذي تعب منه ابنته والتي يحبها كثيراً، ويرى فيها نموذجاً للطهر والقداسة، بينما تكون "الحانة" رمزاً للرذيلة والشر.وعموماً، فإن البيئة المثقفة قامت بدور فني طيب، رغم الضعف الذي قد يلاحظ على بعضها، وذلك بسبب تركيز حوحو على جوانب أخرى كتصوير "النموذج" الأدبي من دون الإحاطة ببقية الجوانب الفنية وغير ذلك، مما جعل العديد من قصصه يتصف بعدم التناسق بين عناصره.
ب-البيئة الحجازية
عاش حوحو في الحجار نحو عشر سنوات من (1935 إلى 1945)، حيث درس في كلية الشريعة بالمدينة المنورة، وتخرج فيها عام 1938 أم، وهناك بدأت حياته الأدبية، فنشر أول مقال له بعنوان: "الطرقية في خدمة الاستعمار" في مجلة الرابطة العربية لصاحبها أمين سعيد .فلا غرو إذا استهوته الحجاز وبيئتها، لما فيها من الخصب والخيال، والالهام، وهكذا اندفع إلى تصويرها بكل امكاناته الأدبية والفنية .
أ-البيئة المدنية
آثر حوحو "المقهى" لرواية أحداثه، وأما أحداث القصص التي تدور في أماكن أخرى كالشوارع، والساحات العامة، والبيوت، فإن البيئة المصوّرة فيها باهتة، وتكاد تختفي من جل القصص.وذلك لاعتماد القاص على عنصر السرد دون غيره، وخلو القصص من الحركات الواضحة، مثلما هو واضح في قصته "صاحبة الوحي"، فهي تكاد تكون محض مناجاة رومانتيكية، لولا بعض الحوار القصير بين الراوي وصديقه الشاعر الذي يقطع تدفق السرد.وقد اكتفى في مقدمة قصة "القبلة المشؤومة" بذكر أحد الأماكن: "ضاحية المسغلة"، وهي إحدى ضواحي مكة المكرمة، كما اعتنى في البداية بوصف المقهى وكراسيه وأشجار التيم .أما عنصر البيئة في الحدث الرئيس، فلا يكاد يبين، وأن كل ما هنالك إيماء إلى لقاءات صديق الراوي بحبيبته في أماكن خاصة عن طريق الصدفة .ولكن البيئة الحجازية المدنية تبدأ في الوضوح كلما تقدمنا أكثر في قراءة قصص حوحو، ففي قصته "جريمة حماة" ملامح أكثر وضوحاً للبيئة الاجتماعية التي جرى الحدث فيها، فقد تحدث بطل القصة عن غنى والدته، وثروتها الكبيرة والرعاية الفائقة التي شملته بها .وتتحدد البيئة في قصة: سيدي الحاج "أكثر،