فخجل ، و قال لجعفر " أشبهت خلقي و خلقي " فحجل ، و قال لزيد " أنت أخونا و مولانا " فخجل ، ثم ذكر قصة زفن الحبشة و النبي صلى الله عليه و سلم ينظر إليهم و أجاب على كل ذلك .( فرع ) إذا حلف أن يضربها عشرة أسواط فجمعها و ضربها بها ضربة واحدة بر في يمينه إذا علم أنها مستها كلها ، و إن علم أنها لم تمسها لم يبر ، و قال أحمد : إن حلف أن يضربه عشرة فجمعها فضربه بها لم يبر في يمينه ، و بهذا قال مالك و أصحاب الرأي .و قال ابن حامد من الحنابلة يبر ، لان أحمد قال في المريض عليه الحد ، يضرب بعثكال النخل فيسقط عنه الحد .( فرع ) و إن حلف أن يضرب إمرأته في غد فمات الحالف من يومه فلا حنث عليه ، لان الحنث إنما يحصل بفوات المحلوف عليه في وقته و هو الغد ، و الحالف قد خرج عن أن يكون من أهل التكليف قبل الغد فلا يمكن حنثه ، و كذلك إن جن الحالف في يومه فلم يفق إلا بعد خروج الغد ، لانه خرج عن كونه من أهل التكليف .قال المصنف رحمه الله تعالى ( فصل ) و إن حلف لا يهب له فأعمره أو أرقبه أو تصدق عليه حنث لان الهبة تمليك العين بغير عوض : و إن كان لكل نوع منها اسم .و إن وقف عليه و قلنا إن الملك ينتقل اليه حنث ، لانه ملكه العين من عوض .و إن باعه و حاباه لم يحنث ، لانه ملكه بعوض ، و إن وصى له لم يحنث ، لان التمليك بعد الموت و الميت لا يحنث .( فصل ) و إن حلف لا يتكلم فقرا القرآن لم يحنث : لان الكلام لا يطلق في العرف الا على كلام الآدميين .و ان حلف لا يكلم فلانا فسلم عليه حنث ، لان السلام من كلام الآدميين ، و لهذا تبطل به الصلاة ، فإن كلمه و هو نائم أو ميت أو في موضع لا يسمع كلامه لم يحنث ، لانه لا يقال في العرف كلمه .و ان كلمه في موضع يسمع الا أنه لم يسمع لاشتغاله بغيره حنث ، لانه كلمه .و لهذا يقال كلمه فلم يسمع
(85)
و ان كلمه و هو أصم فلم يسمع للصم فقيه وجهان .أحدهما يحنث لانه كلمه و ان لم يسمع فحنث ، كما لو كلمه فلم يسمع لاشتغاله بغيره .و الثاني لا يحنث و هو الصحيح لانه كلمه و هو لا يسمع ، فأشبه اذا كلمه و هو غائب ، و ان كاتبه أو راسله ففيه قولان : قال في القديم يحنث .و قال في الجديد لا يحنث .و أضاف اليه أصحابنا : إذا أشار اليه ، فجعلوا الجميع على قولين ، أحدهما يحنث .و الدليل عليه قوله عز و جل " و ما كان لبشر أن يكلمه الله الا وحيا " فاستثنى الوحي و هو الرسالة من الكلام فدل على أنها منه .و قوله عز و جل " قال آيتك أن لاتكلم الناس ثلاثة أيام الا رمزا " فاستثنى الرمز و هو الاشارة من الكلام ، فدل على أنها منه ، و لانه وضع لا فهام الآدميين فأشبه الكلام .و القول الثاني أنه لا يحنث لقوله عز و جل " فإما ترين من البشر أحدا فقولي انى نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم انسيا " ثم قال " يا أخت هرون ما كان أبوك امرأ سوء و ما كانت أمك بغيا ، فأشارت اليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا " فلو كانت الاشارة كلاما لم تفعله ، و قد نذرت أن لاتكلم .و لان حقيقة الكلام ما كان باللسان ، و لهذا يصح نفيه عما سواء بأن نقول : ما كلمته و انما كاتبته أو راسلته أو أشرت اليه ، و يحرم على المسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام ، لقوله عليه السلام " لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام ، و السابق أسبقهما إلى الجنة " و ان كاتبه أو راسله ففيه وجهان ( أحدهما ) لا يخرج من مأثم الهجران ، لان الهجران ترك الكلام فلا يزول الا بالكلام ( و الثاني ) و هو قول أبي على بن أبى هريرة أنه يخرج من مأثم الهجران ، لان القصد بالكلام ازالة ما بينهما من الوحشة ، و ذلك يزول بالمكاتبة و المراسلة ( الشرح ) قوله تعالى " و ما كان لبشر أن يكلمه الله الا و حيا " سبب ذلك أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم : ألا تكلم الله و تنظر اليه ان كنت نبيا
(86)
كما كلمه موسى و نظر اليه ، فإنا لن نؤمن لك حتى تفعل ذلك ، فقال النبي صلى الله عليه و سلم : إن موسى لن ينظر اليه ، فنزل قوله تعالى " و ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا " ذكره النقاش و الواحدي و الثعلبى .و قد احتج بهذه الآية الشافعي في القديم فيمن حلف ألا يكلم رجلا فأرسل اليه رسولا أنه حانث ، لان المرسل قد سمى فيها مكلما للمرسل اليه ، إلا أن ينوى الحالف المواجهة بالخطاب قال ابن المنذر : و اختلفوا في الرجل يحلف أن لا يكلم فلانا فكتب اليه كتابا أو أرسل اليه رسولا ، فقال الثورى الرسول ليس بكلام .و قال الشافعي في الجديد : لا يبين أن يحنث .و قال النخعي : و الحكم في الكتاب يحنث .و قال مالك يحنث في الكتاب و الرسول و قال مرة : الرسول أسهل من الكتاب .و قال أبو عبيد : الكلام سوى الخط و الاشارة و قال أبو ثور " لا يحنث في الكتاب " و قال ابن المنذر لا يحنث في الكتاب و الرسول .و قال القرطبي و هو قول مالك أما قوله تعالى قال آيتك أن لاتكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا " قال أبو الشعثاء جابر بن زيد رضى الله عنه ، إن زكريا عليه السلام لما حملت زوجه منه بيحيى أصبح لا يستطيع أن يكلم أحدا ، و هو مع ذلك يقرأ التوراة و يذكر الله تعالى ، فإذا أراد مقاولة أحد لم يطقه ( قلت ) و الرمز في اللغة الايماء بالشفتين ، و قد يستعمل في الايماء بالحاجبين و العينين و اليدين ، و أصله الحركة .و قيل طلب تلك الآية زيادة طمأنينة .المعنى تم النعمة بأن تجعل لي آية ، و تكون تلك الآية زيادة نعمة و كرامة ، فقيل له " آيتك أن لاتكلم الناس ثلاثة أيام " أى تمتنع من الكلام ثلاث ليال .و قال النحاس ، قول قتادة إن زكريا عوقب بترك الكلام قول مرغوب عنه ، لان الله لم يخبرنا أنه أذنب و لا أنه نهاه عن هذا ، اه ثم إن في هذه الاية دليلا على أن الاشارة تنزل منزلة الكلام ، و ذلك موجود في كثير من السنة .و آكد الاشارات ما حكم به النبي صلى الله عليه و سلم من أمر الجارية حين قال لها أين الله ؟ فأشارت برأسها إلى السماء ، فقال أعتقها فإنها مؤمنة فأجاز الاسلام بالاشارة الذي هو أصل الديانة الذي يمنع الدم و المال و تستحق
(87)
به الجنة و ينجى به من النار ، و حكم بإيمانها كما يحكم بنطق من يقول ذلك ، فوجب أن تكون الاشارة عاملة في سائر الديانة ، و هو قول عامة الفقهاء و روى ابن القاسم عن مالك أن الاخرس إذا أشار بالطلاق أنه يلزمه .و قال الشافعي في الرجل يمرض فيختل لسانه فهو كالاخرس في الرجعة و الطلاق و قال أبو حنيفة ذلك جائز إذا كانت إشارته تعرف ، و إن شك فيها فهي باطل ، و ليس ذلك بقياس و إنما هو استحسان .و قال القرطبي و القياس في هذا كله أنه باطل لانه لا يتكلم و لا يعقل اشارته قال أبو الحسن بن بطال ، و إنما حمل أبا حنيفة على قوله هذا أنه لم يعلم السنن التي جاءت بجواز الاشارات في أحكام مختلفة في الديانة ، و لعل البخارى حاول بترجمته " باب الاشارة في الطلاق و الامور " الرد عليه و قال عطاء أراد بقوله ألا تكلم الناس ، صوم ثلاثة أيام ، و كانوا إذا صاموا لا يتكلمون إلا رمزا ، و هذا فيه بعد .أفاده القرطبي ( قلت ) و عندي أن زكريا سأل الله تعالى أن يجعل له آية ، فقال أيتك أنى أجعلك لا تستطيع الكلام ثلاثة أيام إلا إشارة .و هذه أعظم آية بظهرها الله تعالى لزكريا في ذات نفسه أما قوله تعالى " فإما ترين من البشر أحدا " الاصل في ترين ترأيين بوزن تمنعين قبل التوكيد و دخول الجازم ، فحذفت الهمزة كما حذفت من ترى ، و نقلت فتحتها إلى الراء فصار تريين ثم قبلت الياء الاولى ألفا لتحركها و انفتاح ما قبلها ، فاجتمع ساكنان الالف المنقلبة عن الياء و ياء التأنيث لالتقاء الساكنين ، لان النون المثقلة يمنزلة نونين ، الاولى ساكتة فصار ترين .و على هذا النحو قول دريد بن الصمة إما ترى رأسي حاكى لونه طرة صبح تحت أديال الدجي و قول الافوه العبدي إما ترى أزرى به مأس زمان ذي انتكاس مئوس قال ابن عباس و أنس ، إذا سألك أحد عن ولدك فقولي إنى نذرت للرحمن
(88)
صوما .أى صمتا ، و في قراءة أبى بن كعب ( إنى نذرت للرحمن صوما صما ) و الذى تتابعت به الاخبار عن أهل الحديث أن الصوم هو الصمت ، لان الصوم إمساك عن الاكل ، و الصمت إمساك عن الكلام و قوله تعالى ( فأشارت اليه ) دليل عليه أن مريم التزمت ما أمرت به من ترك الكلام .و لم يرد في هذه الآية أنها نطفت ب ( إنى نذرت للرحمن صوما ) و إنما ورد بأنها أشارت ، فيقوى بهذا قول من قال إن أمرها ب ( قولى ) إنما أريد به الاشارة .أما حديث ( لا يحل لمسلم ) الخ فقد أخرجه البخارى في الادب عن أبي أيوب الانصاري من طريق عبد الله بن يوسف ، و في الاستئذان عن على عند مسلم ، و في الادب عن أبى أيوب من طريق بن يحيى بن يحيى في سنن أبي داود ، و عن أبى أيوب عند الترمذي في البر من طريق محمد بن يحيى و في الموطأ عن أبي أيوب من طريق ابن شهاب .أما الاحكام فقد اختلف علماء الشرع فيمن حلف ألا يكلم إنسانا فكتب اليه كتابا أو أرسل اليه رسولا ، فقال مالك إنه يحنث الا أن ينوى مشافهته ، ثم رجع فقال لا ينوى في الكتاب و يحنث الا أن يرتجع الكتاب قبل وصوله قال ابن القاسم : إذا قرأ كتابه حنث ، و كذلك لو قرأ الحالف كتاب المحلوف عليه .و قال أشهب ، لا يحنث إذا قرأه الحالف ، و هذا بين ، لانه لم يكلمه و لا ابتدأه بكلام .الا أن يريد ألا يعلم معنى كلامه فإنه يحنث ، و عليه يخرج قول ابن القاسم هكذا قال المالكية .فإن حلف ليكلمنه لم يبر الا بمشافهته و قال ابن الماجشون : و ان حلف لئن علم كذا ليعلمنه أو ليخبرنه فكتب اليه أو أرسل اليه رسولا بر و لو علماه جميعا لم يبر حتى يعلمه ، لان علمهما مختلف .و اتفق مالك و الشافعي و أهل الكوفة أن الاخرس إذا كتب الطلاق بيده لزمه .و قال الكوفيون الا أن يكون رجل أصمت أياما فكتب لم يجز من ذلك شيء .قال الطحاوي ، الاخرس مخالف للصمت العارض ، كما أن العجز عن الجماع
(89)
العارض لمرض و نحوه يوما أو نحوه مخالف للعجز المأيوس منه الجماع نحو الجنون في باب خيار المرأة في الفرقة و اتفق أكثر أصحابنا على أنه إذا حلف ألا يكلمه فأرسل اليه رسولا أو كتب اليه حنث ، الا إذا أراد لا يشافهه و قد روى الاثرم و غيره عن أحمد في رجل حلف ألا يكلم رجلا فكتب اليه كتابا .قال وأى شيء كان سبب ذلك انما ينظر إلى سبب يمينه و لم حلف ؟ ان الكتاب قد يجرى مجرى الكلام ، و الكتاب قد يكون بمنزلة الكلام في بعض الحالات الا أن يكون قاصدا هجرانه و ترك صلته و الا لم يحنث بكتاب و لا رسول لان ذلك ليس بتكلم في الحقيقة ، و هذا يصح نفيه ، فيقال ما كلمته و انما كاتبته أو راسلته ، و لذلك قال تعالى ( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ) و قال ( يا موسى ان اصطفتيك على الناس برسالاتي و بكلامى ) و قال ( و كلم الله موسى تكليما ) و لو كانت الرسالة تكليما لشارك موسى غيره من الرسل و لم يختص بكونه كليم الله و نجيه و قد قال أحمد حين مات بشر الحافي ، لقد كان فيه أنس و ما كلمته قط ، و كانت بينهما مراسلة .و ممن قال لا يحنث بهذا الثورى و أبو حنيفة و ابن المنذر و الشافعي في الجديد و احتجوا جميعا بقوله تعالى ( و ما كان لبشر أن يكلمه الله الا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحى ) فاستثنى الرسول من التكلم ، و الاصل أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه ، و لانه وضع لا فهام الآدميين أشبه الخطاب ، و الصحيح أن هذا ليس بتكلم ، و هذا الاستثناء من كما قال في الاية الاخرى ( آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا ) و الرمز ليس بتكلم ، لكن ان نوى ترك مواصلته أو كان سبب يمينه يقتضى هجرانه حنث لذلك .و لذلك قال أحمد و غيره ، ان الكتاب ينزل منزلة الكلام فلم يجعلوه كلاما ، انما قالوا هو بمنزلته في بعض الحالات
(90)
( فرع ) إذا كلم المحلوف عليه بقصد إسماع المحلوف عليه فإنه يحنث .و بهذا قال أحمد ، لانه قد أراد تكليمه ، و يرد عليه ما روينا عن أبى بكرة رضى الله عنه أنه كان قد حلف ألا يكلم أخاه زيادا ، فلما أراد زياد الحج جاء أبو بكرة إلى قصر زياد فدخل فأخذ بنيا لزياد صغيرا في حجره ثم قال : يا أبن أخى إن أباك يريد الحج و لعله يمر بالمدينة فيدخل على أم حبيبة زوج رسول الله صلى الله عليه و سلم بهذا النسب الذي أدعاه - و هو يعلم أنه ليس بصحيح - و أن هذا لا يحل له ، ثم قام فخرج و هذا يدل على أنه لم يعتقد ذلك تكليما .و وجه الاول أنه أسمعه كلامه قاصدا لا سماعه فأشبه ما لو خاطبه كما قال الشاعر إياك أعنى فاسمعى يا جارة فإن ناداه بحيث يسمع فلم يسمع لتشاغله أو غفلته حنث ، و قد سئل أحمد عن رجل حلف ألا يكلم فلانا ، فناداه و المحلوف عليه لا يسمع قال " يحنث " لانه قد أراد تكليمه ، و هذا لكون ذلك يسمى تكليما ، يقال كلمته فلم يسمع ، و ان كان ميتا أو غائبا أو مغمى عليه أو أصم لا يعلم بتكليمه إياه لم يحنث ( الهامش ) ( 1 ) زياد بن أبيه استلحقه معاوية بأبي سفيان بن حرب فدعى زياد بن أبي سفيان ، و قد كانت أمهما - هو و أخوه أبو بكرة - سمية ، جارية مهداة من النعمان بن المنذر ملك الحيرة إلى الطبيب العربى الحارث بن كلدة ، و كان أبو سفيان يستريح عندها لدى مروره بالطائف و يقال انه سفح بها فأعقبت زيادا و أبو سفيان هو أبو أم المؤمنين أم حبيبه ، و ادعاه زياد النسب يجعله أخا لام حبيبة ، الامر الذي تستنكره حتى لا يقوى على مواجهتها فيدخل بيتها بهذا النسب الزائف