وأمّا إذا كان الخارج أمراً معلوماً له، كما في مثال النهار، فإنّ الإنسان يرى بعينه استتار القرص و بقاء الحمرة المشرقية، وليس هنا أي شك يرتبط بالخارج وإنّما طرأ الشك عليه في بقاء النهار لأجل الجهل بما وضع له لفظ المغرب، فهل الموضوع له استتار القرص، أو هو مع زوال الحمرة؟ فالإبهام في ناحية الموضوع له صار سبباً للشكّ في بقاء النهار لا الإبهام السائد على الخارج، ففي مثله لا يكون الاستصحاب حجّة، عند العقلاء وتكون الروايات منصرفة عنها.
نظير ذلك إذا علمنا بأنّزيداً كان عالماً ولكن طرأ عليه النسيان فشكّ في كونه مصداقاً له أو لا، والشكّ في كونه عالماً أو ليس بعالم ليس نابعاً من إبهام الخارج، بل نابع من الجهل بالموضوع له، وأنّ المشتق موضوع للمتلبس، أو للأعم منه و من انقضى عنه المبدأ، ومثل هذا النوع من الشكّ غير الناجم من الإبهام السائد على الخارج، خارج عن مدلول أدلّة الاستصحاب.
التفصيل الرابع
بين الأحكام التكليفية والوضعية
وقبل الخوض في المقصود، نقدّم أُموراً:
1. الحكم لغة واصطلاحاً
الحكم في اللغة بمعنى المنع، قال الشاعر:
أبني حنيفة حكِّموا سفهاءَكم * إنّي أخاف عليكم أن أُغْضِبـا
أي امنعوا سفهاءَكم من التعرّض لعشيرتي، وبهذه المناسبة استعملت في المعاني التالية:
1. حَكَمَة الفرس، لأنّها تمنعه من مخالفة راكبه.
2. الحكمة لأنّها تمنع الإنسان عن الضلال.
3. الحكيم لأنّه بإعمال القواعد يمنع عن تطرّق الفساد إلى فعله.
وأمّا إطلاقه على الحكم الشرعي، فلأنّه يمنع المكلّف من التجاوز عن الحدّ المقرر له.
وربّما يطلق الحكم في اللغة ويراد منه الفصل، وبهذه المناسبة يطلق على القاضي الحاكم، لأنّه يفصل الخصومات والمنازعات، ويطلق على التشريع،