خطبه 154-در آفرينش خفاش
ذكر عليه السلام خطبه الخفاش تنبيها للمكلفين على النظر فى عجيب فعل الله، رفعا لمذاهب اهل الطباع وردا لاقوالهم، و ذلك لانهم لما عموا عن دقائق حكمه الله فى افعاله التى اجراها الله على و تيره واحده، كاختلاف الليل و النهار و الصيف و الشتاء و طلوع الشمس و القمر من مطالعهما و غروبهما فى مغاربهما فى اوقات معينه لوجوه صحيحه، و خلق الحيوانات من ماء مهين على احوال كثيره و اطوار عجيبه لمصالح لطيفه، ذهبوا الى ان هذا كله انما يكون على سبيل الطبع او لها موثر موجب، و اعتقدوا قدم اكثر المحدثات، فقال عليه السلام: الحمد لله الذى انحسرت و انكشفت اوصاف الواصفين عن المعرفه به وغايه العلم بذاته، فانه تعالى ليس بمدرك ليعرف من طريق المشاهده التى هى غايه المعارف للمحدثات المدركه.ثم وصف عظمته تعالى بان العقلاء يعجزون ان يبلغوا نهايه العلم بسلطانه و ملكوته، او يعلموا غايه مقدوراته و معلوماته، او ليس لشى ء من ذلك غايه يتناهى اليها.ثم بين ان المراد بقوله كنه معرفته هو امتناع ان تراه العيون، و المعنى تكون العقول عاجزه عن تحديد جلال الله، انه لا يشبه شيئا و لا يشبهه شى ء، لا يمثل بالاجسام و لا يشبه بالاعراض كالالوان و غيرها،بل خلق تعالى كل شى ء منها بلا مثال سابق من غيره و لا احتاج الى سواه، فكان تعالى اذا اراد شيئا فحسبه ان يقول له: كن فيكون، بلا ممانع و لا منازع.ثم ذكر عجيب خلقه الخفاش، و اشار الى شى ء من غامض حكمته فيه انها تغشى بالنهار المضى ء و تبصر فى الليالى المظلمه على خلاف الحيوانات الاخر، و انها تطير بلا اجنحه مثل سائر الطيور، و ان ولدها يلصق بها فى حال طيرانها.و الانحسار: الانكشاف.و المعارف على ضربين: استدلاليه و ضروريه، و كنهها و غايتها ما يعرف اضطرارا، كالعلوم التى يخلقها الله فى قلوبنا على سبيل الابتداء، و كما يحصل لنا من العلوم على طريق المشاهده.و ردعت: اى كفت.و المساغ، الطريق.و اذعن: انقاد.و السبحات: لنور، و فى الحديث لا حرقت سبحات وجهه جل جلاله اى نور وجهه عز و جل و روى سبجات بالجيم اى قمصان.و هو استعاره هنا على الوجهين، يقال: و اشرقت الشمس اضائت، و اشرق فلان: دخل فى الشروق.قوه و بلج ايتلافها اشراق لمعانها، يقال صبح ابلج بين البلج اى الاشراق، و بلج الصبح بلوجا: طلع.و قوله و مسدله الجفون على حداقها اى مغمضه على نواظهرها، يقال: سدل ثوبه يسدله بالضمم سدلا: ارخاه، و اضافه الاسداف الى الظلمه للتخصيص، كقولهم كرى النوم.و اسدف الليل: اظلم اظلاما مخصوصا.قال ابوعبيد: هو اختلاط الظلام بالضوء كما يكون بعد طلوع الفجر الى طلوع الشمس.و السدفه عند اهل نجد الظلمه و عند غيرهم الضوء، و هو من الاضداد.قوله و غسق دجنه هذه الاضافه ايضا لتاكيد الوصف بالظلمه، و غسق الليل: اظلم، قال تعالى الى غسق الليل اى ظلمته.و الدجنه: الظلمه، و الدجنه من الغيم المطبق.و الاوضاح جمع وضح، و هو الضوء و البياض.و الوجار: سرب الضبع، و استعماله هنا مجاز.قوله و اطبقت الاجفان على ما فيها و اطبقت الشى ء اذا غطيته.و موق العين: طرفها مما يلى الانف و الاذن، و الجمع آماق.و ماقى العين لغه فى موق العين، و هو فعلى و ليس بمف
عل لان الميم من نفس الكلمه و انما زيد فى آخره الياء للالحاق.و روى اجنحه من لحم.و تعرج: اى تصعد.و شظايا لا ذان: زوائدها و الشظيه: اللقه من العصاء و نحوها، و الجمع الشظايا.و القصب: كل عظم مستدير جوف، الواحده قصبه، و القصب عروق الريه و هى مخارج النفس و مجاريه، اى لا ريش للخفاش و لا عظم فيه و لا عرق كما يكون لسائر ما يطير.و روى لها جناحان على ما هو التقدير فى الروايه الاخرى.و النهوض: القيام.