خطبه 214-تلاوت يا ايها الانسان.
و اما ما قاله بعد قرائه قوله تعالى يا ايها الانسان ما غرك بربك الكريم فانا نذكر بيانه بعد فسر الايه، فنقول: يسال ما معنى قوله ما غرك بربك الكريم كيف طابق الوصف بالكرم انكار الاغترار به، و انما يغتر بالكريم كما يروى عن على عليه السلام انه صيح بغلام له كراب فلم يلبه، فنظر فاذا هو بالباب قائم فقال له: مالك لم تجبنى؟ قال: لثقتى بحلمك و امنى من عقوبتك، و كان فى كسل فاستحسن جوابه و اعتقه.و قالوا: من كرم الرجل سوء ادب غلمانه.الجواب: معناه ان حق الانسان ان لا يغتر بتكرم الله عليه بالتفضل الاول، فانه منكر خارج عن حد الحكمه، و لهذا روى: ان النبى صلى الله عليه و آله لما تلاها قال: غره جهله.و قيل لبعض الزهاد: ان خاطبك الله بهذا ما تقول؟ قال اقول: غرتنى ستورك المرخاه.و هذا ليس باعتذار كما يظنه الطماع حتى يقولوا: غرنا كرم الكريم، بل هو اعتراف بالخطا فى الاغترار بالستر.و المعنى: اى شى ء غرك بخالقك و خدعك و سول لك الباطل حتى عصيته و خالفته.و الكريم هو الذى يعطى ما عليه و ما ليس عليه و لا يطلب ماله، و من كرمه تعالى انه لم يرض بالعفو عن السيئات حتى بدلها بالحسنات.و لما قرا اميرالمومنين عليه السلام هذه الايه- و كانت متضمنه للاستفهام على سبيل التوبيخ- ذكر اولا ان هذا المسئول لا يكون له حجه و لاعذرو انما كان اغتراره من جهله البليغ الشديد، و الحجه: البرهان الذى يذكر مع تحاج و تخاصم لا للعناد.و دحض حجته: بطلت، و ادحضها الله.و دحضت رجله: اى زلقت و زالت عن مكانا.و المعذره: العذر.و ابرح: اى جلب الى نفسه شده جهاله، و لقيت منه برحا بارحا اى شده و اذى، و ابرح به فعل ذلك به.و يجوز ان يكون جهاله نصبا على انه مفعول له، و المعنى جهد نفسه و جلب اليها شده و اذى لجهالته.و على الوجه الاول يكون جهاله مفعولا به.وبرح به الامر تبريحا: اى جهده.و البلول: الصحه، يقال: بل من مرضه يبل بلا و بلولا: اذا صح.و الضاحى: البارز للشمس.و يمض: اى يوجع.و المصائب مهموزه باجماع اهل اللغه، و روى على مصابك.و بيات نقمته: اتيان عقوبته تعالى فجاه و غفله و ليلا.و قوله و قد تورطت بمعاصيه مدارج سطواته تورط اى وقع فى الورطه و هى الهلاك.و بمعاصيه: اى بمعاصى الله.و المدرجه: المذهب و المسلك، و الجمع مدارج، و اكثر ما يقال فى مهاوى الهلكه مع فى، وههنا يجوز ان يكون التقدير فى مدارج سطواته اى حملانه، و يكون نصبها بنزع الخافض، و يجوز ان يكون تورطته اي
ضا لغه.و قوله تثمل اى انخذ اقبال الله عليك و رحمته لك مثالا حاله توليك عنه تعالى و انحرافك عن طاعته.و الكنف: الناحيه.و طرف بصره يطرف طرفا و مطرفا: اذا اطبق احد جفنيه على الاخر، الواحده من ذلك طرفه.و المتوازيين: المتساويين، و يقال للقيم بالامر هو ازاوه و هو بازائه اى بحذائه.و روى متوازنين اى يكون لهذا وزن ذاك.و تقدير قوله و حقا اقول اى اقول قولا حقا، فهو صفه مصدر محذوف.و كاشفتك العظات: اى اظهرت الدنيا لك المواعظ.و كاشفه بالعداوه: اى باداه، و العظات نصب بنزع الخافض، و روى العظات بالرفع على ان يكون فاعل كاشفتك.و روى كاشفتك الغطاء.و آذنتك: اى اعلمتك.و على سواء: اى عدل.و روى و النقض فى قوتك بالصاد و الضاد.و لهى اصدق و اوفى: اى الدنيا بما تعدك اى بوعدها اياك من نزول البلاء بك اصدق من ان تكذبك.و تعرفت ما عند فلان: اى تطلبت حتى عرفت، يقول: و لئن تعرفتها، اى و الله لو طلبت من الدنيا مصلحه لنفسك فى الديار الخاويه، اى الخاليه من اهلها الذين هلكوا و كانوا فى نعمه لتجدن مشفقه عليك من حسن و عظهالك باهلاكها من اطمان اليها.و الربوع: المنازل.و الشفيق: المشفق.و الشحيح: البخيل.و الراجفه: الواقعه التى ترجف عند
ها الارض و الجبال، اى تضطرب، و هى النفخه الاولى، وصفت بما يحدث بحدوثها.تتبعها الرادفه: اى الواقعه التى تردف الاولى، و هى النفخه الثانيه و يموت جميع الخلق الاحياء بالنفخه الاولى.و الراجفه: صيحه عظيمه فيها اضطراب و تردد، و يبعث بالنفخه الثانيه الخلق.و حقت القيامه: اى صارت و ثبتت و تحقق وجودها، يقال: حق الشى ء اى وجب.و الجليله: المنحه العظيمه، و الجمع جلائل، و جل الشى ء: معظمه.و روى و حقت بجلائلها اى احيطت بامور عظام.و المنسك فى الاصل الموضع الذى يذبح فيه النسائك و هى الذبائح، و قرى ء بهما و لكل جعلنا منسكا فبالفتح مصدر بمعنى النسك، و المكسور يكون بمعنى الموضع.و النسك: العباده، اى لكل جماعه مومنه من الذين سلفوا جعلنا متعبدا و موضع نسك يقصده الناس.و قوله و لحق بكل منسك اهله يفسره ما بعده، اى و لحق بكل معبود عبدته، يعنى من كان يعبد الله يلحق بثواب الجنه و من عبدالصنم و الوثن يجعلان على بدنه كاحر ما يكون من النار معه فى جهنم.و يسال على هذا فيقال: ان عيسى قد عبد و الملائكه قد عبدوا، و فى القرآن انكم و ما تعبدون من دون الله حصب جهنم اى وقودها الناس و حطبها؟.الجواب: ان هذا الخطاب لاهل مكه، و انما كانوا يعبد
ون الاصنام فقال تعالى العابد و المعبود فى النار، فيعذب المشركون بما عبدوها، فيكون زياده فى غمهم و حسرتهم.و لما نزلت هذه الايات اتى عبدالله بن الزبعرى فقال: يا محمد الست تزعم ان عزيرا رجل صالح و ان عيسى رجل صالح و ان مريم امراه صالحه؟ فقال عليه السلام: بلى.فقال: هولاء يعبدون من دون الله فهم فى النار، فانزل الله ان الذين سبقت لهم منا الحسنى اى الموعده بالجنبه اولئك عنها مبعدون.و انما قرنوا بالهتهم لانهم لا يزالون لمقارنتهم فى زياده غم و حسره حيث اصابهم ما اصابهم بسببهم، و النظر الى وجه العدو باب من العذب، و لانهم قد راوا انهم يستشفعون بهم فى الاخره، فاذا صادفوا الامر على عكس ذلك لم يكن شى ء ابغض اليهم منهم.و قوله فلم يجر (خرق بصر اسم ما لم يسم فاعله و ما عطف عليه، اى لم يجر) اقل شى ء الابحقه.و روى و لم يجز و فاعطه خرق بصر.و العلائق: الاسباب المتصله.و تحرى: اى اطلب الاحرى و الاجدر.و شم برق النجاه: انتظر، و التشمير: الجد.